تقارير
أخر الأخبار

ترامب في مواجهة المحكمة الأمريكية العليا.. 100 مليار دولار تهدد سياسة واشنطن التجارية

تقارير | بقش

تتصاعد حالة الجدل في الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية مع اقتراب المحكمة العليا من إصدار حكمها بشأن قانونية الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب، وسط تحذيرات من تداعيات مدمّرة محتملة على الاقتصاد الأمريكي في حال ألغيت تلك الرسوم، واحتمال إلزام الحكومة برد أكثر من 100 مليار دولار من الأموال التي جُمعت من الشركات والمستوردين الأمريكيين.

وخلال جلسة المرافعات الشفوية التي عُقدت يوم أمس الأربعاء، شكّك عدد من القضاة في مدى التزام إدارة ترامب بصلاحياتها القانونية عند فرض هذه الرسوم بموجب قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 (IEEPA)، الذي يتيح للرئيس استخدام أدوات اقتصادية استثنائية خلال حالات الطوارئ الوطنية وفق اطلاع مرصد “بقش”، لكنه لا يتضمن نصوصاً صريحة تتعلق بفرض رسوم جمركية دائمة أو شاملة.

ترامب: إلغاء الرسوم سيدمر أمريكا

الرئيس ترامب وصف إمكانية إلغاء المحكمة العليا لتلك الرسوم بأنها ستكون “مدمّرة لبلادنا”، مؤكداً في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” أن هذه الإجراءات مثّلت إحدى الركائز الكبرى لسياسته الاقتصادية والتجارية، وأنها أنقذت الولايات المتحدة والعالم من “كساد اقتصادي شامل”، على حد تعبيره.

وقال ترامب: “لو لم نتمكن من تطبيق هذه الرسوم، لكان العالم بأسره دخل في حالة كساد. أعتقد أنها واحدة من أهم القضايا في تاريخ بلادنا، وربما الأهم على الإطلاق”.

أشار ترامب إلى أن هذه الرسوم أجبرت الصين على إلغاء قيود كانت تخطط لفرضها على صادرات المعادن النادرة، وهي مواد استراتيجية تُعد حيوية لصناعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة. وأضاف حسب تتبُّع ترامب لتصريحاته أن تهديده بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية لم يكن مجرد خطوة داخلية، بل “فعل من أجل العالم كله”، في إشارة إلى ما اعتبره تصحيحاً لاختلالات النظام التجاري العالمي.

قضاة المحكمة يشككون في استخدام صلاحيات الطوارئ

الجلسة التي استمرت نحو ثلاث ساعات شهدت نقاشات مكثفة من قضاة ينتمون إلى مختلف الاتجاهات الأيديولوجية، طرحوا خلالها تساؤلات حول مدى قانونية استناد ترامب إلى قانون الطوارئ لفرض رسوم بعشرات المليارات من الدولارات شهرياً.

ووفقاً لتحليلات قانونية، فإن ملاحظات القضاة عكست ميلاً إلى التشكيك في منطق توسيع صلاحيات الرئيس الاقتصادية بهذا الشكل، ما جعل المحللين يرون أن الرسوم “في خطر حقيقي”، بحسب تعبير دامون بايك من شركة BDO الأمريكية في تصريحات لوكالة “رويترز”.

وفي حال صدور قرار ضد ترامب، فقد تُلزم الحكومة الأمريكية برد أكثر من 100 مليار دولار إلى المستوردين الذين تحملوا أعباء تلك الرسوم، ما سيؤدي إلى إزالة عبء كبير عن الشركات الأمريكية ويُضعف أحد أهم أدوات الضغط التجاري التي استخدمها ترامب ضد شركاء الولايات المتحدة، وخصوصاً الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك.

احتمالات بديلة أمام إدارة ترامب

خبراء التجارة الدولية يرون أن أي قرار بعدم قانونية الرسوم لن ينهي بالكامل قدرة الإدارة الأمريكية على فرض قيود تجارية، إذ يمكن أن تلجأ واشنطن إلى أدوات قانونية أخرى أكثر وضوحاً.

من بين هذه الأدوات القسم 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962 الذي يمنح الرئيس سلطة فرض رسوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي، أو القسم 122 من قانون التجارة لعام 1974 الذي يسمح بفرض رسوم مؤقتة بنسبة تصل إلى 15% لمدة 150 يوماً.

لكن رغم هذه الخيارات، فإن الخسارة القانونية ستكون ذات رمزية كبيرة، لأنها ستقوّض حجج ترمب بشأن صلاحياته الواسعة في استخدام أدوات الطوارئ الاقتصادية، وقد تفتح الباب لمراجعة أوسع للصلاحيات الرئاسية في مجال التجارة الدولية.

ويرى محللون تتبَّع بقش تقديراتهم أن أي حكم ضد إدارة ترامب قد يُحدث اضطراباً قصير الأمد في الأسواق العالمية، مع احتمال إعادة تشكيل السياسة التجارية الأمريكية خلال عام 2026.

ويُتوقع أن يحاول ترامب، إذا خسر القضية، إعادة تصميم استراتيجيته عبر جولات تفاوضية جديدة مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، في محاولة لاستعادة التوازن التجاري دون الاعتماد على صلاحيات الطوارئ.

لكن الغموض، وفقاً لـ”ديفيد يونغ” من مجلس المؤتمرات الأمريكي، سيبقى قائماً حتى بعد صدور الحكم، قائلاً إن “المديرين التنفيذيين لا يزالون في حالة ترقب، وحتى إذا أُبطلت الرسوم، فسيظل الغموض قائماً حول مستقبل السياسة التجارية الأمريكية”.

ولا يقتصر هذا الغموض على الأسواق المحلية فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي الذي يعتمد إلى حد كبير على استقرار السياسات التجارية الأمريكية، فالتقلبات في القرارات القضائية والسياسية قد تؤثر في سلاسل التوريد العالمية، وتعيد إشعال المخاوف من حرب تجارية جديدة.

ومن المتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكمها النهائي في بداية عام 2026، وهو ما يضع الأسواق والشركات في حالة ترقب حذر، خصوصاً أن تنفيذ قرارٍ بردِّ أكثر من 100 مليار دولار سيشكّل تحدياً بيروقراطياً وإدارياً معقداً.

وقد حذّرت القاضية إيمي كوني باريت من أن عملية استرداد تلك الأموال ستكون “فوضوية” بالنسبة للنظام القضائي والإداري الأميركي.

أبعاد اقتصادية ونقدية

على الصعيد المالي، حذّر عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي ستيفن ميران من أن تصاعد الغموض التجاري نتيجة هذه القضية قد يشكّل عبئاً إضافياً على الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أصلاً من تباطؤ النمو، مشيراً إلى أن خفض أسعار الفائدة بشكل أكبر قد يخفف جزئياً من حدة التأثيرات المحتملة، لكنه لن يبدد مخاطر تراجع الثقة في السياسة الاقتصادية الأمريكية.

وتُظهر هذه القضية أن معركة ترامب مع المحكمة العليا أصبحت مرحلة حساسة للتوازن بين السلطات في الولايات المتحدة، وتحديد مدى قدرة الرئيس على توسيع صلاحياته الاقتصادية في مواجهة القيود التشريعية، وإذا ما أبطلت المحكمة الرسوم، فسيكون لذلك تأثير مزدوج، ما بين اقتصادي مباشر يتمثل في استرداد مليارات الدولارات، وسياسي رمزي يتمثل في تقليص سلطة الرئيس في إدارة الملفات التجارية دون رقابة الكونغرس.

زر الذهاب إلى الأعلى