ضربة مالية.. هل تصمد البنوك الخليجية أمام نزيف محتمل بـ307 مليارات دولار؟

الاقتصاد العربي | بقش
لا مؤشرات لتهدئة الحرب على إيران التي دخلت أسبوعها الثالث، لذلك تزداد المخاوف بشأن تداعياتها على القطاع المصرفي في دول الخليج.
وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيفات الائتمانية حذّرت، في تحديث اطلع عليه “بقش”، من احتمال خروج ودائع محلية تصل قيمتها إلى 307 مليارات دولار من البنوك الخليجية، في حال تفاقمت الحرب واستمرت لفترة أطول.
ورغم أن الوكالة لم ترصد حتى الآن تدفقات كبيرة للأموال، سواء المحلية أو الأجنبية، إلا أنها نبّهت إلى أن استمرار التوتر قد يدفع البنوك نفسها إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً داخل النظام المالي، إضافة إلى احتمالات اتساع نطاق خروج رؤوس الأموال.
تداعيات ممتدة
تعتمد التقديرات الأساسية للوكالة على افتراض أن أشد مراحل الحرب قد تستمر ما بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع، إلا أنها أقرت بأن التأثيرات قد تمتد إلى ما بعد هذه الفترة، من خلال حوادث أمنية متقطعة تُبقي حالة عدم الاستقرار قائمة.
وانعكست هذه الأوضاع بالفعل على أسواق الطاقة العالمية وقطاع النقل، حيث أدت الحرب إلى حالة من الفوضى نتيجة اتساع رقعة الهجمات التي طالت مناطق عدة، من بينها دبي ومواقع أخرى في الخليج.
ويمثل الوضع الراهن موقفاً غير مسبوق للبنوك الخليجية، إذ أوقفت بعض البنوك الدولية جزءاً كبيراً من عملياتها الموجهة للعملاء في الإمارات، على خلفية تهديدات إيرانية باستهداف مراكز اقتصادية ومؤسسات مالية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
ورغم تأكيد البنوك استمرار خدماتها عبر القنوات الرقمية، إلا أن البنية التحتية التقنية تعرضت لاضطرابات ملحوظة، فقد أعلنت “أمازون” في 02 مارس وفق متابعات بقش عن استهداف ثلاث منشآت لها في الإمارات والبحرين بطائرات مسيرة، ما أدى إلى تعطّل خدمات الحوسبة السحابية، وتسبب في فقدان مؤقت لبعض العملاء إمكانية الوصول إلى حساباتهم المصرفية.
وفي مواجهة هذه التهديدات، لجأت بعض البنوك إلى إنشاء مراكز بيانات احتياطية خارج المنطقة، وهو إجراء ساعد على تقليل آثار الهجمات وضمان استمرارية الخدمات.
قدرة البنوك على امتصاص الصدمات
حسب تقديرات ستاندرد آند بورز، فإن البنوك الخليجية تمتلك حالياً سيولة تُقدّر بنحو 312 مليار دولار نقداً أو مودعة لدى البنوك المركزية، ما يمنحها قدرة أولية على امتصاص تدفقات الخروج المحتملة، كما يتوفر احتياطي إضافي يبلغ نحو 630 مليار دولار يمكن تعبئته عبر تصفية المحافظ الاستثمارية بخصم يقدّر بـ20%.
وبناءً على هذه المعطيات، ترى الوكالة أن المخاطر “قابلة للإدارة” في المجمل، خاصة مع الدعم القوي الذي تقدمه أربع دول خليجية على الأقل لأنظمتها المصرفية، إضافة إلى تشديد الرقابة التنظيمية منذ اندلاع الحرب.
ورغم الصورة العامة المستقرة نسبياً، تبرز بعض نقاط الضعف، حيث تُعد البنوك البحرينية التي تقدم خدمات مصرفية للأفراد الأكثر عرضة للمخاطر، نتيجة ارتفاع مستويات الدين الخارجي في الفترة الأخيرة.
وفي المقابل، اتخذت السلطات النقدية في الإمارات خطوات لطمأنة الأسواق، إذ أكد محافظ المصرف المركزي الإماراتي استمرار عمل القطاع المصرفي بشكل طبيعي.
وتدخل البنوك الخليجية هذه المرحلة من موقع قوة نسبية، وفقاً للوكالة، مدعومة بنمو ملحوظ في مؤشرات الأداء خلال الفترة الماضية، فقد ارتفع إجمالي الأصول في الإمارات بنسبة 17.1% ليصل إلى 5.34 تريليونات درهم (1.45 تريليون دولار) في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، فيما نمت القروض بنحو 18%، وزادت الودائع بنسبة تقارب 16%. كما استفادت البنوك من ارتفاع الطلب على الائتمان، في ظل إنفاق حكومي واسع على قطاعات مثل السياحة والبنية التحتية.
قطاعات معرضة للخطر
تتوقع الوكالة أن يظهر التأثير الكامل للأزمة على جودة الأصول خلال فترة لاحقة، مع تعرض عدة قطاعات لمخاطر متزايدة، أبرزها النقل والخدمات اللوجستية والسياحة والعقارات والتجزئة والفندقة. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تصل الخسائر التراكمية في أكبر 45 بنكاً بالمنطقة إلى نحو 37 مليار دولار، إذا ارتفعت القروض المتعثرة بنسبة 50% أو بلغت نسبتها 7% من إجمالي القروض، أيهما أكبر.
واستحضرت الوكالة تجربة جائحة كورونا عام 2020، عندما تدخلت الجهات التنظيمية لدعم البنوك وتمكينها من امتصاص الخسائر، مشيرة إلى توقعات باتخاذ إجراءات مماثلة إذا تفاقمت الأزمة الحالية.
وعلى مستوى الأسواق، تضررت أسهم البنوك الإماراتية منذ اندلاع الحرب، حيث سجلت البنوك الكبرى انخفاضات ملحوظة، في انعكاس مباشر لحالة القلق التي تسيطر على المستثمرين.
الخلاصة أن منطقة الخليج تتسم بهشاشة التوازن المالي أمام الصدمات الجيوسياسية، رغم متانة الأسس المصرفية، ويُنذر استمرار الحرب بمخاطر على البنوك الخليجية قد تزيد كلفة الاستقرار المالي في المنطقة.


