الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

ضغط أكبر من العقوبات التقليدية.. إدارة ترامب تدفع لتفكيك كوبا من بوابة الاقتصاد

الاقتصاد العالمي | بقش

يبدو أن إدارة ترامب انتقلت من سياسة الاحتواء والعقوبات إلى استراتيجية أكثر عمقاً تستهدف بنية النظام في “كوبا”، فبدلاً من الاكتفاء بالضغط الاقتصادي التقليدي، تعمل واشنطن على خلق بيئة داخلية مأزومة تُظهر عجز الدولة، وتدفع المجتمع تدريجياً نحو البحث عن بدائل سياسية.

يترافق ذلك مع خطاب سياسي يربط بين فشل الاقتصاد الكوبي وبنية النظام الحاكم، بما يعكس توجهاً أمريكياً لإعادة تعريف الأزمة باعتبارها “أزمة نظام” لا مجرد أزمة موارد. ووفق متابعات “بقش”، يتصدّر وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” واجهة هذا التوجه.

ماركو اعتبر، في تصريحات حديثة، أنّ الحكومة الكوبية غير قادرة على إصلاح اقتصادها، وقال إن “المشكلة ليست في السياسات بل في طبيعة النظام نفسه”، ودعا صراحة إلى تولي “أشخاص جدد” إدارة البلاد. ولم تخلُ تصريحاته من رسائل تحذيرية، إذ قال: “لو كنت أعيش في هافانا وأعمل في الحكومة الكوبية، لكنت قلقاً للغاية”، في تصريح قُرِئ بأنه يعبّر عن قناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن النظام الكوبي بات في مرحلة هشّة.

ويتقاطع هذا الخطاب مع تصريحات ترامب، الذي ذهب أبعد من ذلك حين قال إنه قد يحظى بشرف تولي زمام الأمور في كوبا، قائلاً: “طوال حياتي، كنت أسمع عن الولايات المتحدة وكوبا. متى ستفعل الولايات المتحدة ذلك؟ أنا متأكد من أنني سأشعر بالفخر لتولي كوبا. إنها شرف كبير”.

وفي وقت سابق من مارس الجاري، قال ترامب إن “كوبا تعيش لحظاتها الأخيرة”، وتوقّع “تغييراً كبيراً” في الدولة الشيوعية، كما قال: “سأهتم بكوبا”، ملمحاً إلى إجراء مفاوضات بهدف التوصل إلى “اتفاق” محتمل وفق الإملاءات الأمريكية.

الطاقة كسلاح استراتيجي: خنق تدريجي للاقتصاد

على المستوى العملي، تتجلى هذه الاستراتيجية في استهداف قطاع الطاقة، الذي يمثل شريان الحياة للاقتصاد الكوبي، فقد أدت القيود الأمريكية المشددة على إمدادات الوقود (الحظر النفطي الشامل)، خصوصاً الإمدادات القادمة من فنزويلا، إلى اختناق حاد في منظومة الكهرباء.

بلغت الأزمة ذروتها بانهيار كامل للشبكة الكهربائية الوطنية، ما أدى إلى انقطاع التيار عن نحو 10 ملايين شخص في مختلف أنحاء البلاد أمس الإثنين حسب تتبع بقش، ويُعد هذا الانهيار الثالث خلال أربعة أشهر، في مؤشر على هشاشة البنية التحتية وتفاقم أزمة الوقود.

ورغم إعلان السلطات الكوبية إعادة ربط أجزاء واسعة من الشبكة، من أقصى الغرب في بينار ديل ريو إلى هولغين شرقاً، وإعادة تشغيل محطة “أنطونيو غويتراس” النفطية، إلا أن هذه الإجراءات لم تحقق سوى تحسن جزئي، إذ لا تزال مدن كبرى مثل سانتياغو دي كوبا خارج الخدمة مؤقتاً، بينما عاد التيار إلى نحو نصف العاصمة هافانا فقط.

وجاء الانقطاع الشامل تتويجاً لأزمة مستمرة منذ أشهر، فمعظم الكوبيين يعانون أصلاً من انقطاعات يومية تصل إلى 16 ساعة، نتيجة نقص الوقود وتهالك محطات التوليد حسب تناولات “بقش”، ومع الانهيار الأخير تراجعت قدرة الإنتاج الكهربائي إلى مستويات أدنى بكثير من الطلب، ما يعني أن استعادة الخدمة بشكل كامل قد تستغرق وقتاً طويلاً، في ظل غياب حلول جذرية.

كما زادت الظروف الجوية من تعقيد الأزمة، حيث أدى الغطاء السحابي إلى تقليص إنتاج الطاقة الشمسية التي تشكل نسبة مهمة من الكهرباء خلال النهار، وهو ما كشف محدودية البدائل المتاحة.

وانعكست أزمة الكهرباء بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية في كوبا، حيث تعطلت سلاسل الإمداد الغذائية، وتراجعت القدرة على حفظ المواد الغذائية، وواجه السكان صعوبات في الحصول على المياه والخدمات الأساسية. ويقول مواطنون كوبيون -وفق اطلاع بقش على رويترز- إن انقطاع الكهرباء يؤثر على كل جانب من جوانب الحياة، ومع استمرار الأزمة الناجمة عن الضغط الأمريكي تتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية على السكان الذين باتوا يعيشون في حالة ترقب دائم.

وفي قلب هذه الأزمة تتصاعد حرب الروايات بين واشنطن وهافانا، فبينما تصف الولايات المتحدة الانقطاع الكهربائي بأنه “عرض لفشل النظام”، وتحمّل الحكومة الكوبية المسؤولية الكاملة، ترى الأخيرة أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة للحصار الأمريكي وخنق إمدادات الوقود، وتعكس هذه التصريحات المتباينة صراعاً حول ما إذا كانت الأزمة دليلاً على انهيار داخلي، أم نتيجة ضغط خارجي متعمد.

تفكيك تدريجي للثقة في النظام

تشير المعطيات إلى أن الاستراتيجية الأمريكية لا تعتمد فقط على الضغط الاقتصادي، إنما تسعى إلى تفكيك الثقة الشعبية في النظام الكوبي، فاستمرار انقطاع الكهرباء وتعطل الخدمات وتراجع مستوى المعيشة، كلها عوامل تؤدي إلى تآكل شرعية الدولة من الداخل.

ومع تكرار الأزمات، يصبح من الصعب على الحكومة الكوبية إقناع المواطنين بقدرتها على إدارة البلاد، وذلك يفتح الباب أمام سيناريوهات سياسية جديدة.

يحدث ذلك في السياق الإقليمي الأوسع، خاصة بعد التحركات الأمريكية في فنزويلا التي أطاحت بنيكولاس مادورو المحتجز لدى أمريكا، وسيطرة الأخيرة على قطاع النفط الفنزويلي بالكامل. وقد أشار “روبيو” إلى هذا الربط، معتبراً أن كوبا تمثل الهدف التالي في استراتيجية إعادة تشكيل المنطقة.

ويعزز هذا الترابط الانطباع بأن واشنطن تتبنى مقاربة متكاملة تجاه الأنظمة التي تصنفها كخصوم، تعتمد على مزيج من الضغط الاقتصادي والسياسي لإحداث تغييرات داخلية والإطاحة بالحكومات.

وحتى الآن، لم تصل الأوضاع إلى انهيار شامل، لكن المؤشرات تدل على تآكل تدريجي في قدرة الدولة على الصمود، ومع غياب الحلول السريعة، قد تتحول الأزمات المتكررة إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل المشهد السياسي.

الأزمة الكوبية أكثر من مجرد خلل في قطاع الطاقة، لأنها تعبير عن مواجهة استراتيجية بين نظام سياسي يحاول الصمود، وقوة دولية تعمل على تغيير وإعادة ترتيب الداخل الكوبي وفق أولويات أمريكية بحتة، وبينما ترفع واشنطن شعار “الإصلاح الاقتصادي”، تشير الوقائع إلى سياسة أعمق تستهدف خلخلة النظام عبر أدوات اقتصادية ضاغطة، وفي هذا المشهد تبدو كوبا عالقة بين حصار خارجي وأزمة داخلية، حيث يتحول الاقتصاد إلى ساحة صراع، ويصبح مؤشراً على معركة أكبر بكثير من مجرد انقطاع التيار الكهربائي.

زر الذهاب إلى الأعلى