
الاقتصاد العربي | بقش
تدخل المنطقة العربية مرحلة غير مسبوقة من الانكشاف الغذائي، مع تسجيل مستويات مقلقة من الجوع الحاد والمتوسط خلال العام الماضي.
فقد صدر تقرير أممي مشترك لست منظمات دولية، اطلع عليه مرصد “بقش”، يؤكد أن 198 مليون شخص على الأقل واجهوا أشكالاً متفاوتة من نقص الغذاء والجوع الحاد أو المتوسط في عام 2024 بزيادة لافتة بلغت 65% مقارنة بعام 2015.
وبلغ عدد من يعانون الجوع الحاد وحده نحو 77.5 مليون إنسان في المنطقة العربية، أي ما نسبته 16% من إجمالي سكان المنطقة. كما يشير البيان إلى أن المنطقة تشهد أعلى مستويات الفقر منذ 20 عاماً، وسط تغيّرات اقتصادية واجتماعية عميقة تضرب بنية المجتمعات العربية.
تُرجع المنظمات الأممية هذا التدهور إلى تداخل عوامل عدّة، يأتي في مقدمتها الاضطرابات الأمنية المتفاقمة، بما في ذلك الحرب على قطاع غزة، والنزاع في اليمن، والصراع الدموي في السودان.
هذه النزاعات، وفق التقرير، عطّلت سلاسل الإمداد، ورفعت أسعار السلع الأساسية، وجعلت الوصول إلى الغذاء مهمة شبه مستحيلة لكثير من الفئات.
انهيار قيم العملات
رغم الدور المباشر للحروب، يؤكد التقرير أن تراجع النمو الاقتصادي وانهيار القيم الشرائية للعملات المحلية في دول عدة أسهما في دفع أعداد أكبر نحو الجوع.
كما أدى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود وازدياد أعباء الديون الحكومية إلى إضعاف قدرة الدول على تمويل برامج الدعم أو حماية الفئات الأكثر هشاشة.
وتواجه العديد من البلدان العربية مشكلات متنامية في الحفاظ على منظومات الدعم، وتطوير الحماية الاجتماعية، وتعزيز الإنتاج المحلي من الغذاء، ومواجهة تقلبات السوق العالمية.
تكلفة الغذاء فوق مستوى الدخل
من أبرز ما جاء في التقرير تحذير أممي من أن تكلفة الغذاء الصحي باتت بعيدة عن متناول 186 مليون شخص، أي ما يعادل 40% من سكان المنطقة العربية.
تبلغ كُلفة الغذاء الصحي للفرد الواحد يومياً 4.3 دولارات، وهو مبلغ يفوق متوسط الدخل المتاح لكثير من الأسر، وفقاً للمدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة “الفاو”.
وهذه سابقة مقلقة تتعارض بشكل صارخ مع أهداف التنمية المستدامة 2030 الرامية إلى القضاء على الجوع. ويشير الواعر إلى أن المنطقة العربية “تبتعد عاماً بعد عام عن الهدف”، في ظلّ استمرار اختلالات الأمن الغذائي وغياب العدالة الاجتماعية.
وأوضح المسؤول الأممي أن الجوع يُقاس عبر مسارين: الأمن الغذائي المرتبط بتوفر الغذاء، والقدرة على شراء الغذاء. أما سوء التغذية فيرتبط بنوعية الغذاء ومدى صحته، وهو ما أصبح صعب المنال.
غياب العدالة داخل الدول العربية
رغم تأثير الصراعات، ينظر الخبراء الأمميون، بمن فيهم الواعر، أن عدم المساواة داخل الدولة نفسها يعدّ أحد أبرز دوافع اتساع فجوة الجوع، فالسكان في القرى والمناطق الطرفية يعجزون عن الحصول على الغذاء الصحي بشكل منصف بسبب ارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات، وهشاشة سلاسل الإمداد المحلية.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن العديد من دول المنطقة لم تعد قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي الغذائي. وتعود الأسباب إلى الجفاف وتغيّر المناخ وتراجع الموارد المائية وضعف النظم الغذائية. وكلها وفق اطلاع بقش عوامل مجتمعة أسهمت في زيادة هشاشة المجتمعات العربية أمام موجات تضخم أسعار الغذاء.
كيف تُعالج الأزمة؟
تتطلب الأزمة تدخلاً هيكلياً واسعاً يشمل توسيع منظومات الحماية الاجتماعية، ومعالجة التفاوت الطبقي بما يضمن وصول الأغذية الصحية للجميع، وزيادة الإنفاق على البحث العلمي الزراعي، ودعم الزراعات الذكية والتكنولوجيا الحديثة، ورفع وتطوير منظومات الدعم الحكومي الموجّه للفقراء.
فالتقرير يحذر من أن استمرار هذه الأوضاع أدى إلى نتائج وخيمة مثل ارتفاع معدلات التقزم والهزال والسمنة والسكري وفقر الدم، وهي أعراض أصبحت أكثر انتشاراً، نتيجة التعامل مع الغذاء الصحي كنوع من “الرفاهية” في المنطقة العربية، وهو ما بات يوصف بأنه “إدراك خاطئ” لا يمكن القبول باستمراره.


