الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

عصر التحوط الدولي: كيف تستغل الصين الفراغ الأمريكي لإعادة تشكيل تحالفات العالم؟

الاقتصاد العالمي | بقش

مع مرور أكثر من عام على إعادة انتخاب ترامب رئيساً لأمريكا في يناير 2025، يشهد العالم تحولات جيوسياسية عميقة تعيد رسم خريطة التحالفات التقليدية وتحدّد ملامح النظام الدولي الجديد، وفي قلب هذه التحولات، يبدو النفوذ الصيني في أوروبا وشرق آسيا أكثر اتساعاً، مستفيداً من حالة عدم اليقين التي تثيرها سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، خصوصاً على صعيد حلف “الناتو” والتحالفات الغربية.

وفق آخر قراءات مرصد “بقش”، تستثمر الصين في الوقت الراهن حالة التردد والغموض في السياسة الأمريكية لتعزيز موطئ قدمها في الأسواق الأوروبية والآسيوية، مقدّمة صفقات جذّابة في قطاعات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات باتت محور اهتمام عواصم غربية تسعى لتحقيق استقلالية استراتيجية وتحوط اقتصادي بعيداً عن الاعتماد الكلي على واشنطن.

حسب بيانات الجمارك الصينية، شهدت الصادرات الصينية إلى أوروبا نمواً بلغ نحو 12% على أساس سنوي في ديسمبر 2025، مما يعكس نجاح بكين في توسيع دائرة تأثيرها الاقتصادي وسط تقلبات السياسة الأمريكية.

كما تجسّد هذا النفوذ في زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين وقرار بريطانيا المضي قدماً في إنشاء “السفارة العملاقة” الصينية في لندن، ما يؤكد براجماتية أوروبية توازن بين المكاسب الاقتصادية والحذر الاستراتيجي.

ويواجه حلف شمال الأطلسي تحديات غير مسبوقة في الحفاظ على تماسكه، حيث يتحول الدور الأمريكي تدريجياً من “الحامي العالمي” إلى “الحاكم الإقليمي” لنصف الكرة الغربي، وفق ما يشير إليه خبراء في العلاقات الدولية.

هذه التحولات دفعت بعض الدول الأوروبية إلى تبنّي استراتيجيات “تحوّط” لتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، مع الحفاظ على شراكتها مع واشنطن، وهو ما يتضح في خطة “الاستعداد 2030” الأوروبية التي تهدف إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وبينما يتراجع الدور الأمريكي التقليدي، تتسع مساحة المناورة للدول الأوروبية لتطوير شراكات تجارية واستثمارية مع الصين والهند، حيث أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقاً تاريخياً مع الهند لخفض التعريفات الجمركية بنسبة تتجاوز 95%، إضافة إلى اتفاقيات مماثلة مع دول أمريكا اللاتينية، وتؤكد هذه التحركات ميل أوروبا نحو تحقيق توازن بين الضمانات الأمنية الأمريكية والجاذبية الاقتصادية للصين.

التحوّل نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب

وفق خبراء نقلت عنهم “بلومبيرغ” مثل الدبلوماسي الصيني السابق شو يينج، فإن ما يحدث اليوم ليس انهياراً للنظام الغربي بقدر ما هو ولادة نظام متعدد الأصوات، تُعاد فيه صياغة الضمانات الأمنية والاقتصادية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.

ويشير يينج إلى أن سياسات ترامب الحالية تكشف حدود القدرة الأمريكية على تحمل كلفة النظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وأن التحالفات لم تعد أدوات فرض إرادة أمريكية، بل أدوات لتعزيز النفوذ ضمن شبكة متعددة الأطراف.

وفي الوقت ذاته، يحذر بعض الخبراء الذي تتبَّع بقش تقديراتهم، مثل أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيينا، هاينز جارتنر، من احتمالية أن يؤدي غياب أطر واضحة لإدارة التنافس الأمريكي-الصيني إلى ظهور “قطبية ثنائية” جديدة، مع استمرار تهديد حرب ساخنة محتملة، خصوصاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تسعى بكين إلى استغلال التوترات بين طوكيو وسول لإضعاف التماسك الأمني الإقليمي.

وتتبنى أوروبا حالياً نهج “المكاسب النسبية”، حيث تُفصل بين الاقتصاد والأمن، مع التركيز على الشراكات الاقتصادية مع الصين رغم الاعتماد على الولايات المتحدة في المجال العسكري.

كما تسعى الدول الآسيوية إلى تنويع تحالفاتها الأمنية، كما فعلت اليابان بتعزيز الشراكة مع أستراليا وكوريا الجنوبية، فيما يحاول الرئيس الكوري الجنوبي إدارة علاقاته ببكين لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الصين، في حين أن نتائج هذه التحركات لا تزال محدودة بفعل الضغوط الأمريكية.

في هذا الإطار، يُظهر سلوك ترامب تجاه جزيرة غرينلاند كيف أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً استراتيجية على حلفائها، ما يثير الشكوك بشأن مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية في أوروبا وشرق آسيا، ويزيد من الحاجة إلى تعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي، كما يوضح خبراء العلاقات الدولية.

وتعتمد إدارة ترامب على مقاربة “الصفقات الثنائية” Transactional Approach، مع توسيع دور العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط، بينما تُعطّل الدبلوماسية متعددة الأطراف في ملفات حيوية.

كما يعكس مشروع “مجلس السلام” الذي طرحه ترامب في دافوس هذه التوجهات، إذ يبدو وفق تقارير بقش السابقة كاستنساخ شكلي لمجلس الأمن الدولي، يفتقر إلى استقلالية حقيقية ويؤكد على إرادة الولايات المتحدة في الاحتفاظ بالهيمنة على القرارات العالمية.

الخلاصة: توازن هش

بموازاة ذلك، يبرز التحول نحو عالم أكثر تعددية، لكنه هش وقابل لسوء التقدير، حيث يستفيد صانعو القرار الصينيون من الفراغات التي أحدثتها السياسة الأمريكية لإعادة تعريف التحالفات التقليدية.

في المقابل تبقى أوروبا وآسيا أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية والاقتصادية، مع الحفاظ على علاقات حيوية مع الولايات المتحدة، ضمن نظام دولي يتحول تدريجياً من أحادية الهيمنة إلى شبكة معقدة متعددة الأطراف.

التطورات الحالية تشير إلى أن النظام العالمي سيستمر في التعددية، مع صعود لاعبين جدد كالصين والهند، وتراجع القدرة الأمريكية على فرض شروطها بصورة منفردة، ما يضع الولايات المتحدة أمام امتحان تاريخي لإعادة صياغة نفوذها العالمي في عصر يتسم بالتحولات المستمرة وتنافس القوى العظمى.

زر الذهاب إلى الأعلى