عقوبات على شركات صينية وسفن نفط.. واشنطن تنقل معركة فنزويلا إلى بوابة بكين

الاقتصاد العالمي | بقش
لم تعد معركة واشنطن مع فنزويلا محصورة في نطاق العقوبات التقليدية أو الخطاب السياسي، بل دخلت مرحلة أكثر حساسية تمسّ شبكة التجارة العالمية للطاقة، مع انتقال الضغط الأمريكي من كاراكاس إلى الشركاء غير المعلنين، وفي مقدمتهم الصين. فالعقوبات الجديدة التي فُرضت على شركات وناقلات مرتبطة بتجارة النفط الفنزويلي تمثل تحوّلاً واضحاً في مسار المواجهة.
هذه الخطوة لا تُقرأ فقط كإجراء قانوني ضد كيانات متهمة بالتحايل، بل كرسالة استراتيجية موجهة إلى بكين، مفادها أن استمرار الاستفادة من النفط الفنزويلي لن يبقى خارج نطاق الردع الأمريكي. فالصراع لم يعد يدور حول فنزويلا وحدها، بل حول توازنات الطاقة والنفوذ بين القوى الكبرى.
توقيت العقوبات يعكس أيضاً تشديداً أمريكياً متزامناً مع تصعيد عسكري ميداني، حيث باتت العقوبات الاقتصادية التي يتتبَّعها بقش تسير جنباً إلى جنب مع اعتراض ناقلات وضربات بحرية، في مشهد يعيد تعريف أدوات الضغط خارج الأطر الدبلوماسية المعتادة.
وفي ظل هذا التصعيد، تبرز فنزويلا كنقطة تقاطع بين الحرب على المخدرات، وأمن الطاقة، والصراع الأمريكي–الصيني، ما يجعل العقوبات الأخيرة مؤشراً على مرحلة أكثر خطورة في إدارة واشنطن لملف الطاقة العالمي.
استهداف الشركات والسفن… توسيع دائرة الخنق
فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أربع شركات مرتبطة بتجارة النفط الفنزويلي، من بينها كيانات تعمل في هونغ كونغ والبر الرئيسي للصين، إلى جانب أربع ناقلات نفط اتُّهمت بالعمل ضمن شبكة تهدف إلى التحايل على القيود المفروضة على كاراكاس حسب اطلاع مرصد “بقش”. هذا التوسّع في قائمة العقوبات يعكس انتقال واشنطن من استهداف المصدر إلى استهداف الوسيط.
إدراج هذه الشركات ضمن قائمة الكيانات المحظورة يعني فعلياً عزلها عن النظام المالي الدولي، وحرمانها من أي تعاملات بالدولار أو مع مؤسسات مالية خاضعة للنفوذ الأمريكي، وهو ما يُعد ضربة قاسية لأي نشاط تجاري عابر للحدود.
الأهم أن هذه العقوبات لا تبدو معزولة، بل تأتي ضمن مسار متدرج يستهدف ما يُعرف بـ«أسطول الظل» الفنزويلي، أي الشبكة غير الرسمية من السفن والشركات التي تعتمد عليها كراكاس لتصريف نفطها بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.
أسطول الظل والرسالة إلى بكين
استهداف شركات صينية تعمل في تجارة النفط الفنزويلي يُعد سابقة نادرة، ويشير إلى أن واشنطن باتت مستعدة لتحمّل كلفة الاحتكاك غير المباشر مع الصين في سبيل تضييق الخناق على نظام نيكولاس مادورو. فالصين تُعد المشتري الأكبر للنفط الفنزويلي، والذي يشكل العمود الفقري لإيرادات الدولة.
العقوبات تحمل في طياتها تحذيراً صريحاً لبكين من أن الاستمرار في هذا المسار قد يعرّض مصالحها التجارية واللوجستية لمزيد من الضغوط، خصوصاً في ظل اعتماد شركات التكرير الصينية الخاصة على هذا الخام منخفض السعر.
ورغم أن الصين علّقت رسمياً واردات النفط الفنزويلي بعد عقوبات 2019، فإن الواقع التجاري يُظهر أن التدفقات لم تتوقف فعلياً، بل جرى تمريرها عبر إعادة تصنيف الخام وتغيير وثائق المنشأ، وهو ما يجعل المواجهة بين الطرفين مواجهة في الظل بقدر ما هي علنية.
من العقوبات إلى القوة… التصعيد العسكري المتدرّج
لم تكتفِ واشنطن بالعقوبات الاقتصادية، بل صعّدت ميدانياً عبر اعتراض ناقلات نفط، وتنفيذ ضربات ضد قوارب يُشتبه بارتباطها بتهريب المخدرات قبالة السواحل الفنزويلية. هذا الدمج بين الأدوات الاقتصادية والعسكرية يعكس تحوّلاً في قواعد الاشتباك.
الضربات الأخيرة التي نُفذت في نهاية ديسمبر، وأسفرت عن إغراق سفن ومقتل عدد من الأشخاص وفق متابعة بقش، تؤكد أن الحملة الأمريكية تجاوزت مرحلة الردع الرمزي إلى فرض السيطرة الفعلية على طرق التهريب البحرية.
كما أن استهداف أرصفة تحميل داخل فنزويلا، وفق تقارير إعلامية أمريكية، يفتح الباب أمام سيناريو أخطر يتمثل في توسيع الضربات لتشمل بنية الطاقة التحتية نفسها، وهو خيار لطالما لوّح به الرئيس دونالد ترمب.
تكشف العقوبات الأخيرة أن ملف النفط الفنزويلي لم يعد قضية محلية أو إقليمية، بل تحوّل إلى ساحة اختبار لإرادة واشنطن في مواجهة شبكات الطاقة الموازية التي تقوّض نظام العقوبات العالمي.
كما تُظهر أن الصين، رغم حرصها على تجنب الصدام المباشر، باتت طرفاً غير معلن في هذا الصراع، سواء عبر شركاتها أو عبر قنوات الاستيراد غير الرسمية التي تغذّي مصافيها بالنفط الفنزويلي.
في المحصلة، تتجه معركة الطاقة إلى مزيد من التسييس والعسكرة، حيث لم تعد العقوبات أداة ضغط بطيئة، بل جزءاً من استراتيجية أشمل تعيد رسم خطوط النفوذ في أسواق النفط العالمية، وتضع فنزويلا في قلب صراع يتجاوز حدودها بكثير.


