
الاقتصاد العربي | بقش
منذ أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ما تزال واحدة من أخطر أدوات النفوذ الخارجي فاعلةً في قلب الدولة العراقية، بعيداً عن الضجيج السياسي والعسكري، وهي السيطرة الأمريكية الفعلية على عوائد النفط الدولارية، الشريان المالي الذي يقوم عليه الاقتصاد العراقي برمّته.
وكالة “رويترز” فتحت هذا الملف في تقرير تحليلي اطلع عليه مرصد “بقش”، قائلةً إن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفاتيح العائدات النفطية العراقية، عبر نظام مالي أُرسِيَ في لحظة الاحتلال، ثم تحوّل مع الزمن إلى بنية دائمة تمنح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في القرار الاقتصادي والسياسي العراقي، مع امتدادات إقليمية واضحة، خصوصاً في سياق الصراع غير المباشر مع إيران.
وبدأت السيطرة الأمريكية على عائدات النفط العراقية مباشرة بعد غزو العراق عام 2003، حين أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الولايات المتحدة، كياناً مالياً حمل اسم “صندوق العراق للتنمية”.
وتم إيداع هذا الصندوق في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، ليكون المستودع المركزي لجميع عائدات النفط العراقي المقومة بالدولار.
سياسة السيطرة الكاملة
صُمم هذا الصندوق لتحقيق عدة أهداف معلنة متداخلة، أبرزها جمع عائدات النفط العراقية واستخدامها في تمويل إعادة الإعمار والتنمية، وحماية هذه العائدات من الدعاوى القضائية الدولية المرتبطة بفترة النظام العراقي السابق، وتأمين إشراف دولي يطمئن الأطراف الخارجية، خصوصاً الدائنين والمؤسسات المالية.
ولتثبيت هذا النظام قانونياً، وقّع الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش أمراً تنفيذياً خاصاً، أرسى الإطار القانوني لإدارة هذه الأموال. واللافت أن هذا الأمر التنفيذي جرى تجديده من قبل جميع الرؤساء الأمريكيين اللاحقين دون استثناء، ما حوّل الإجراء من استجابة ظرفية لمرحلة ما بعد الحرب، إلى سياسة أمريكية ثابتة.
مع مرور الوقت، لم يُلغَ الصندوق، بل تحوّل إلى حساب تابع للبنك المركزي العراقي داخل بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، وهو الوضع الذي لا يزال قائماً حتى اليوم، ما يعني أن العراق، فعلياً، لا يملك السيطرة الكاملة على تدفقات أهم مورد سيادي لديه.
ويمثل النفط العمود الفقري للاقتصاد العراقي، إذ يشكل نحو 90% من ميزانية الدولة، وهذه النسبة الكاسحة تجعل أي تحكم في عائدات النفط تحكماً مباشراً في قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة واستقرار العملة والحفاظ على السلم الاجتماعي.
هذا الواقع منح واشنطن نفوذاً اقتصادياً يتحول بسهولة إلى نفوذ سياسي، ويبرز ذلك بوضوح في محطة مفصلية عام 2020، عندما طلبت الحكومة العراقية رسمياً خروج القوات الأمريكية من البلاد. عندها، لم يكن الرد الأمريكي عسكرياً، بل كان مالياً، إذ تم التهديد بحرمان العراق من الوصول إلى عائداته النفطية المودعة في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك.
هذا التهديد، وفق اطلاع بقش على تقرير رويترز، كان كافياً لدفع بغداد إلى التراجع عن موقفها، ما يكشف أن قرار السيادة السياسية في العراق يظل مشروطاً، في لحظات الاختبار، بميزان القوة المالية.
سيادة منقوصة أم شراكة اضطرارية؟
رغم أن الحكومات العراقية المتعاقبة تمكنت تدريجياً من تعزيز سيطرتها على بعض مفاصل الإدارة المالية مقارنة بسنوات الاحتلال الأولى، فإن استمرار هذا الترتيب المالي مع الولايات المتحدة يطرح أسئلة جوهرية حول معنى السيادة الاقتصادية.
فالعلاقة القائمة تعكس تناقضاً بنيوياً، فمن جهة، تسعى بغداد إلى تأكيد استقلالها السياسي، ومن جهة أخرى، تعتمد في استقرارها المالي على نظام خارجي يمنح واشنطن حق التدخل غير المباشر متى شاءت.
هذا التناقض يجعل السيادة العراقية سيادة إجرائية لا سيادة مكتملة، إذ إن القرار النهائي بشأن تدفقات الدولار، وهو عصب التجارة والاستيراد، لا يزال خارج السيطرة الوطنية الكاملة.
لماذا قَبِل العراق بهذا الترتيب؟
حسب مسؤولين حكوميين عراقيين تحدثوا إلى رويترز شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، فإن استمرار هذا النظام لم يكن بلا مبررات من وجهة النظر الرسمية العراقية.
ومن أبرز الأسباب التي ساقها هؤلاء المسؤولون: ترسيخ الاستقرار المالي وحماية المالية العامة للدولة، وتعزيز الثقة الدولية في طريقة إدارة عائدات النفط العراقية، وتسهيل الوصول إلى الدولار الضروري للتجارة الخارجية وتمويل الواردات، وحماية الإيرادات من المطالبات الخارجية، بما فيها دعاوى الدائنين والمطالبات القضائية القديمة، والحد من الصدمات المالية التي قد تهدد الاقتصاد الهش.
كما أشار المسؤولون إلى أن هذا النظام لعب دوراً في دعم استقرار سعر الصرف، وتعزيز الثقة في الاقتصاد العراقي، وتقوية المؤسسات المالية المحلية، ولو بشكل غير مباشر.
ولا يقتصر أثر هذا الترتيب على الداخل العراقي وفق قراءة بقش، بل يمتد إلى التوازنات الإقليمية، خصوصاً في سياق الصراع الأمريكي الإيراني، إذ يتيح هذا النظام للحكومة العراقية، بدعم أمريكي، التصدي لبعض الجهات المتحالفة مع إيران، التي تسعى إلى تخفيف القيود المفروضة على الوصول إلى الدولار.
هذا الملف يكشف أن الولايات المتحدة، حتى بعد تقليص وجودها العسكري، لا تزال تحتفظ بأحد أقوى أشكال النفوذ في العراق، وهو النفوذ المالي، فمن خلال السيطرة على عوائد النفط الدولارية، تملك واشنطن قدرة نادرة على التأثير في استقرار العراق، وقراراته السيادية، واتجاهاته الإقليمية، دون الحاجة إلى الدبابات أو القواعد.
وبينما يوفر هذا النظام للعراق مظلة حماية مالية في بيئة دولية مضطربة، فإنه في الوقت ذاته يكرّس واقعاً معقداً من السيادة المشروطة، حيث يبقى السؤال مُلحّاً حول هل يستطيع العراق في المستقبل استعادة السيطرة الكاملة على نفطه، دون أن يدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً، أم إن هذا الترتيب سيظل كما يبدو اليوم أحد أكثر إرث الاحتلال الأمريكي رسوخاً وفاعلية؟


