منوعات
أخر الأخبار

عودة الوقود المنبوذ: كيف أعادت حرب الطاقة الفحم إلى قلب العالم؟

منوعات | بقش

في الوقت الذي كان فيه العالم يظن أنه يطوي صفحة الفحم إلى الأبد، جاءت حرب الطاقة الأخيرة لتقلب المعادلة بالكامل، فبدلاً من التقدم نحو الطاقة النظيفة، تعود الدول شرقاً وغرباً إلى أكثر مصادر الطاقة تلويثاً.

ولسنوات، تم الترويج للغاز الطبيعي باعتباره الجسر نحو الطاقة النظيفة، وأقل تلويثاً من الفحم، وأكثر استقراراً من المتجددة، لكن هذا الجسر تصدَّع مع أولى الأزمات الكبرى، ثم انهار تقريباً مع تصاعد الحرب في الخليج، وفق اطلاع بقش على تقرير لبلومبيرغ، ليعود الفحم كخيار اضطراري.

ويحدث التحول الأكبر في آسيا، حيث تتقاطع ثلاثة عوامل، وهي الاعتماد الكبير على واردات الطاقة، والنمو الاقتصادي السريع، وضعف القدرة على تحمل الأسعار المرتفعة. وفي اليابان، أحد أكبر مستوردي الغاز في العالم، أعلنت الحكومة توسيع استخدام محطات الفحم، حتى الأقل كفاءة، في خطوة تعكس أولوية تأمين الكهرباء على حساب البيئة.

أما في الهند وبنغلادش، فقد أصبح الفحم بالفعل العمود الفقري لتوليد الطاقة، مع عودة محطات متوقفة إلى العمل بكامل طاقتها، وتأجيل أعمال الصيانة لمواجهة ذروة الطلب الصيفي. وفي الهند على سبيل المثال، أُعيد تشغيل محطات ضخمة كانت متوقفة، فيما ارتفعت أسهم شركات الفحم إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. ولم يعد الفحم مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية لتعويض نقص النفط والغاز.

وحتى الصناعات الثقيلة، مثل الإسمنت، بدأت تعيد حساباتها، مع تزايد الاعتماد على الفحم كمصدر أكثر استقراراً من البدائل المرتبطة بأسعار عالمية متقلبة.

المفارقة الكبرى تظهر في أوروبا، التي قادت لعقد كامل جهود التخلص من الفحم، فقد انخفضت قدرات الفحم فيها بنحو 45% منذ 2015، مع توسع كبير في الطاقة المتجددة، لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحدياً كبيراً، فمع ارتفاع أسعار الغاز، تدرس دول مثل هولندا وبولندا والتشيك زيادة استخدام الفحم، بينما تفكر ألمانيا في إعادة تشغيل محطات كانت قد أُغلقت حسب تتبُّع بقش، وتشير التقديرات إلى أن أوروبا قد تولد كهرباء من الفحم أكثر بنسبة 20% هذا الصيف مقارنة بالعام الماضي.

وفي الصين، أكبر مستهلك للفحم في العالم، يبدو الوضع أكثر توازناً، فبفضل استثمارات ضخمة في الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الطاقة، استطاعت بكين تقليل اعتمادها على الواردات، ما منحها هامشاً أكبر للمناورة.

أما الولايات المتحدة، فالوضع مختلف تماماً، فالإنتاج الضخم من النفط والغاز الصخري حافظ على استقرار نسبي في الأسعار، ما قلل الحاجة للعودة إلى الفحم، ومع ذلك فإن الدعم السياسي أعاد هذا القطاع إلى الواجهة، إذ شهدت البلاد إعلان مشاريع جديدة للفحم لأول مرة منذ أكثر من عقد، في إشارة إلى أن الاعتبارات السياسية قد تلعب دوراً موازياً للعوامل الاقتصادية.

سوق الفحم ينتعش والبيئة تدفع الثمن

انعكست هذه التحولات سريعاً على الأسواق، فقد ارتفعت أسعار الفحم العالمية بشكل ملحوظ، خاصة في آسيا، حيث قفزت العقود القياسية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2024، كما ارتفع الطلب العالمي، بعد أن كان متوقعاً أن يبدأ في التراجع خلال هذا العقد. وبدلاً من انخفاض الاستهلاك، تشير التوقعات التي تابعها بقش إلى استمرار ارتفاعه حتى عام 2027 على الأقل.

لكن هذا الانتعاش يأتي بثمن باهظ، وهو زيادة الانبعاثات، وتراجع الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي، وتهديد مباشر لأهداف اتفاقيات المناخ.

وفي أوقات الاستقرار، تميل الدول إلى تبني سياسات خضراء طموحة، لكن في أوقات الأزمات تعود الأولويات الأساسية -الكهرباء، الصناعة، والاستقرار الاقتصادي- لتفرض نفسها، حتى لو كان الثمن بيئياً. ووفقاً لفاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، فإن ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع الجميع -حكومات وشركات وأسر- للبحث عن بدائل، حتى لو كانت أكثر تلويثاً.

زر الذهاب إلى الأعلى