الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

التجارة العالمية تدخل 2026 فوق أرض مهتزّة ورسوم ترامب تزرع اضطرابات مؤجلة في سلاسل الإمداد

الاقتصاد العالمي | بقش

يستعد نظام التجارة العالمي لدخول عام 2026 وهو محمّل بتناقض واضح: صمود رقمي في أحجام التجارة، يقابله تصاعد في المخاطر البنيوية التي تهدد استقرار النمو على المدى المتوسط. فعلى الرغم من الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يشهد عام 2025 انهياراً فورياً في تدفقات التجارة العالمية كما كان متوقعاً.

غير أن هذا الصمود لا يعكس قوة النظام بقدر ما يعكس قدرة مؤقتة على التكيّف. فبيانات الشحن والحاويات تُظهر أن التجارة لم تتوقف، لكنها بدأت تتغير جغرافياً وبنيوياً، مع انكماش واضح في الواردات إلى أمريكا مقابل توسّع لافت في أسواق بديلة.

الرسوم الأمريكية، التي جاءت كأداة ضغط تفاوضي، أعادت رسم خرائط التبادل التجاري بدلاً من إيقافه، ودفعت سلاسل الإمداد إلى البحث عن مسارات أقل تكلفة سياسياً، حتى لو كانت أعلى كلفة لوجستياً.

ومع انتقال العالم من عام الرسوم إلى عام تبعاتها، يزداد الإجماع بين خبراء التجارة على أن الاضطراب الحقيقي لم يبدأ بعد، وأن 2026 قد يكون عام اختبار قاسٍ لقدرة النظام التجاري العالمي على امتصاص الصدمات المتراكمة.

أظهرت بيانات قطاع الشحن التي تتبَّعها مرصد “بقش” أن أحجام الحاويات العالمية واصلت النمو خلال 2025 بنسبة تقارب 2%، في مؤشر يُظهر أن التجارة لم تنكسر تحت وطأة الرسوم الأمريكية. غير أن هذا الرقم يخفي تحولات أعمق في وجهة التدفقات.

في مقابل هذا النمو العالمي، سجلت الواردات إلى أمريكا انكماشاً ملحوظاً بلغ نحو 8%، وهو تراجع يعكس الأثر المباشر للرسوم على سلوك المستوردين والشركات الأمريكية التي بدأت تقليص اعتمادها على سلاسل التوريد الخارجية.

في المقابل، شهدت مناطق مثل إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية والهند نمواً قوياً في الواردات، ما يشير إلى انتقال تدريجي لمراكز الطلب بعيداً عن السوق الأمريكي.

هذا التحول لا يعني تراجعاً في أهمية أمريكا، لكنه يؤكد أن الرسوم لم توقف التجارة بقدر ما دفعتها للالتفاف، وهو نمط سبق أن شهده العالم في أزمات تجارية سابقة، لكنه يتخذ اليوم طابعاً أوسع وأكثر تنظيماً.

مراجعة اتفاقية أمريكا الشمالية… مفاوضات محفوفة بالخسائر

تتجه أمريكا وكندا والمكسيك خلال 2026 إلى مراجعة اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وفق متابعة بقش، في خطوة تبدو تقنياً روتينية لكنها سياسياً شديدة الحساسية. فآلية المراجعة المبكرة، التي أُدرجت في نسخة 2020 من الاتفاقية، تفتح الباب أمام إعادة تفاوض سريعة على قواعد لم تستقر بعد.

رغم الدعم الواسع للاتفاقية من قطاعات الأعمال، تُظهر المشاورات أن معظم الأطراف تطالب بتعديلات، وهو ما يجعل أي تحسين محتمل لطرف ما خسارة مباشرة لطرف آخر.

في ظل الرسوم الأمريكية القائمة، تدخل كندا والمكسيك المفاوضات من موقع ضعيف نسبياً، حيث تعاني قطاعات حيوية لديهما من ارتفاع التكاليف وتآكل الهوامش. وتشير التوترات السابقة، لا سيما تعليق محادثات تجارية بين أمريكا وكندا في 2025، إلى أن جولة المراجعة قد تتحول إلى ساحة صراع اقتصادي أكثر منها تحديثاً فنياً للاتفاق.

البحر الأحمر… عودة المسار القصير وأزمة الموانئ الطويلة

من المفارقات أن أحد التطورات الإيجابية ظاهرياً في 2026 قد يتحول إلى عامل اضطراب كبير. فعودة سفن الشحن إلى طريق البحر الأحمر، بعد انحسار التوترات الأمنية، تعني اختصار زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا حسب قراءة بقش.

لكن هذا الاختصار سيحرر طاقة استيعابية ضخمة كانت مُستهلكة في المسارات الطويلة حول إفريقيا، ما قد يؤدي إلى تخمة مفاجئة في السعة داخل السوق.

يحذّر خبراء الشحن من أن هذه العودة قد تتسبب في اختناقات حادة داخل الموانئ الأوروبية، على غرار ما حدث خلال جائحة كورونا وفق اطلاع بقش، مع تكدس الحاويات وتباطؤ التفريغ.

وتزداد المخاطر إذا تزامن ذلك مع انتعاش اقتصادي في أمريكا، إذ إن أي موجة إعادة بناء للمخزون قد تفوق قدرة الموانئ وسلاسل النقل على الاستيعاب.

وتعتمد إدارة ترامب في 2025 على تفاهمات تجارية ثنائية بدلاً من اتفاقيات تقليدية ملزمة. هذه التفاهمات، التي تقوم على تخفيف الرسوم مقابل التزامات استثمارية أو سياسية، تفتقر إلى أطر قانونية صلبة.

الهدنة التجارية مع الصين، على سبيل المثال، محددة زمنياً ولا تشكّل اتفاقاً نهائياً، ما يترك أكبر علاقة تجارية في العالم عرضة للانهيار في أي لحظة.

في الوقت ذاته، يترقّب قطاع التجارة حكماً حاسماً من المحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية الرسوم «المتبادلة» التي فرضها ترامب. أي قرار بإبطالها قد يفتح فوضى قانونية حول مصير مليارات الدولارات التي دُفعت كرسوم.

حتى في حال خسارة القضية، تملك الإدارة الأمريكية أدوات بديلة لإعادة فرض الرسوم، ما يعني أن حالة عدم اليقين ستبقى سمة أساسية لعام 2026.

يدخل العالم عام 2026 وهو محكوم بمعادلة دقيقة: تجارة لم تنهَر بعد، لكنها لم تعد مستقرة. فالرسوم الأمريكية لم تُسقط النظام التجاري، لكنها أضعفت قواعده وأعادت تشكيله على أسس أكثر هشاشة.

التحولات الجغرافية في التدفقات، والاتفاقيات غير المستقرة، والملفات القانونية المفتوحة، كلها تشير إلى أن الصدمات المؤجلة قد تكون أشد وطأة من الصدمة الأولى.

في المحصلة، لم يكن 2025 عام نهاية التجارة العالمية، بل عام إعادة ترتيب مؤلمة. أما 2026، فيبدو مرشحاً ليكون عام اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في وجه سياسة تجارية لا تزال تُدار بعقلية الضغط لا الاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى