قفزات تصل إلى 50%: حرب البتروكيماويات تشعل الأسعار و40 مصنعاً يعلن “القوة القاهرة”

الاقتصاد العالمي | بقش
في تحول خطير يعيد رسم خريطة المخاطر الجيوسياسية وتأثيراتها الاقتصادية، انتقلت شرارة التوترات في الشرق الأوسط من الاستهدافات العسكرية التقليدية إلى “حرب سلاسل الإمداد”، وذلك في أعقاب الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية البتروكيماوية في إيران.
هذا التصعيد دفع طهران إلى الرد بتبني استراتيجية “العين بالعين” الاقتصادية، مستهدفة بشكل مباشر منشآت الطاقة والبتروكيماويات الحيوية في دول الخليج، تحت مبرر ارتباطها بمصالح وشراكات أمريكية، مما أدخل أسواق السلع الأساسية والمواد الأولية في دوامة من عدم اليقين والتقلبات السعرية الحادة.
وبحسب توثيقات وكالة “رويترز”، فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته المباشرة عن هجمات بطائرات مسيرة ضربت عصب الصناعة البتروكيماوية في الإمارات والكويت والبحرين، متوعداً بتكثيف ضرباته ضد المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة.
هذا الاستهداف الممنهج لم يقتصر على مجرد إحداث أضرار مادية، بل وجه رسالة واضحة للأسواق العالمية مفادها أن شريان الطاقة والمواد الكيميائية الذي يغذي المصانع حول العالم بات في مرمى النيران، وهو ما يعكس استراتيجية إيرانية تسعى لتدفيع الاقتصاد العالمي ثمن أي تصعيد يستهدف أراضيها.
لم تتأخر الانعكاسات الاقتصادية لهذه الهجمات المتبادلة في الظهور؛ فقد كشفت بيانات “بلومبيرغ” عن ارتفاعات صاروخية في أسعار اللقيم والمواد الكيميائية الأساسية، بالتزامن مع إغلاق شبه فعلي لمضيق هرمز الاستراتيجي.
هذا الشلل اللوجستي وضع الاقتصاد العالمي أمام شبح أزمة تضخمية جديدة، تعيد إلى الأذهان صدمات سلاسل الإمداد إبان الجوائح العالمية، وتضع صناع السياسات النقدية والشركات الصناعية الكبرى أمام تحدٍ غير مسبوق لاحتواء تكاليف الإنتاج المتصاعدة التي ستنتقل حتماً إلى جيوب المستهلكين.
الشلل الصناعي وخسائر البنية التحتية في الخليج
شهدت البنية التحتية الصناعية في دول الخليج يوماً عاصفاً، حيث تكبدت مؤسسة البترول الكويتية “خسائر مادية جسيمة” إثر استهداف إيراني لمرافق تابعة لشركة البترول الوطنية وشركة صناعة الكيماويات البترولية.
وبحسب تقارير نشرتها شبكة “بلومبيرغ”، طالت الهجمات أيضاً مجمع القطاع النفطي في الشويخ ومحطتين لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، مما أدى إلى خروج وحدات عن الخدمة، وعلى الرغم من عدم تسجيل إصابات بشرية بفضل سرعة استجابة فرق الطوارئ، إلا أن التأثير التشغيلي كان بالغاً وعميقاً.
وفي دولة الإمارات، أجبرت التداعيات الأمنية السلطات في أبوظبي على تعليق العمليات التشغيلية في مصنع شركة “بروج” للبتروكيماويات، وذلك إثر اندلاع حرائق ناتجة عن هجوم بالطائرات المسيرة، وفقاً لرويترز.
هذا التوقف المؤقت في واحدة من أهم المنشآت الصناعية في المنطقة يعكس حجم الحذر والتدابير الاستثنائية التي تضطر الشركات الكبرى لاتخاذها، مما يؤدي بالتبعية إلى إبطاء وتيرة الإنتاج والتصدير للأسواق العالمية المعتمدة على هذه المجمعات.
أما في البحرين، فقد طالت الهجمات منشآت استراتيجية ذات طبيعة استثمارية مشتركة تعكس التشابك الاقتصادي الإقليمي؛ حيث تعرضت شركة “الخليج لصناعة البتروكيماويات” لهجوم طال وحداتها التشغيلية، وهي الشركة المملوكة لحكومة البحرين بالشراكة مع “سابك” السعودية وشركة صناعة الكيماويات البترولية الكويتية. كما امتدت النيران إلى خزان بمنشأة تخزين تابعة لشركة “بابكو إنرجيز”، مما يؤكد أن بنك الأهداف الإيراني ركز على المنشآت التي تمثل عصب الشراكات الخليجية والأميركية، محققاً شللاً مؤقتاً في هذه الكيانات الحيوية.
أزمة إمدادات عالمية وقفزات سعرية غير مسبوقة
أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 25% من المواد الكيميائية والبلاستيك السائبة في العالم، إلى اختناق حاد في سلاسل الإمداد الآسيوية، حيث أعلنت نحو 40 منشأة كيميائية حالة “القوة القاهرة”، بحسب وكالة بلومبيرغ ومؤسسة “ICIS”. وتعتمد المصانع الآسيوية بشكل حيوي على هذا الممر المائي لتأمين 60% من وارداتها من مادة “النافتا” و45% من غاز البترول المسال، مما يعني أن استمرار إغلاق المضيق يهدد بشلل واسع النطاق لنصف إنتاج العالم من المواد الكيميائية عالية القيمة.
وعلى وقع هذه الاضطرابات، سجلت أسعار المواد الأساسية قفزات تاريخية، حيث أظهرت تقارير “بلومبيرغ” ارتفاع سعر “الإيثيلين” على ساحل الخليج الأميركي بنسبة 50% منذ بدء الهجمات المتبادلة، في حين صعد “البروبلين” بدرجة البوليمر بنسبة 28% مسجلاً أعلى مستوى له في أكثر من عام.
هذه المواد تعتبر العصب الرئيسي لصناعات لا حصر لها، بدءاً من التغليف البلاستيكي وصولاً إلى قطع غيار السيارات ومواد البناء، مما يمهد الطريق لزيادات حتمية في تكاليف التصنيع العالمية.
وتجلت ذروة الأزمة في إعلان شركة “داو” الأمريكية عن اقتراب منشأتها المشتركة مع “أرامكو السعودية” في الجبيل، والبالغ قيمتها 20 مليار دولار، من التوقف الكامل للإنتاج. هذا المجمع الضخم، الذي ينتج نحو 3 ملايين طن سنوياً، بات عاجزاً عن تصدير منتجاته بسبب إغلاق المضيق، وهو ما يمثل ضربة قاصمة للإمدادات العالمية ويؤكد تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة “داو” بأن تدفق المنتجات لن يعود إلا بفتح الممرات المائية الآمنة.
تداعيات الأسواق المالية ومخاوف التضخم العالمي
ألقت هذه التوترات الجيوسياسية بظلالها الثقيلة على أسواق المال الإقليمية، حيث أنهى المؤشر العام للسوق السعودية (تاسي) سلسلة مكاسب استمرت خمسة أسابيع متتالية ليغلق متراجعاً دون مستوى الدعم الهام عند 11300 نقطة، ليستقر عند 11268 نقطة. وقاد قطاع المواد الأساسية هذا الهبوط بضغط مباشر من سهم عملاق البتروكيماويات “سابك” الذي تراجع بأكثر من 1.3%، إلى جانب أسهم صناعية أخرى، في تسعير فوري ومباشر للمستثمرين لاتساع نطاق المخاطر على البنية الصناعية الإقليمية.
على النقيض من ذلك، خلقت الأزمة بيئة استثمارية خصبة لشركات الكيماويات الأميركية المعتمدة على الغاز الصخري المحلي بعيداً عن تقلبات أسعار النافتا وتهديدات المضايق. ووفقاً لبلومبيرغ، قفزت أسهم شركة “داو” بنسبة 23% منذ بدء الهجمات لترفع مكاسبها السنوية إلى 58%، بينما حلقت أسهم شركات مثل “ليونديلي باسيل” و”سي إف إندستريز” بنسب مذهلة بلغت 72% و66% على التوالي، مستفيدة من تسعير منتجاتها وفقاً لارتفاعات السوق العالمية مع الاحتفاظ بتكاليف إنتاج محلية منخفضة نسبياً.
رغم هذه المكاسب الموضعية للشركات الأمريكية، فإن الخاسر الأكبر يظل المستهلك العالمي، حيث تحذر شركات الاستشارات الصناعية الكبرى من “تأثير تضخمي” قادم لا محالة. الارتفاع الحاد في أسعار البنزين الأمريكي بنسبة 31%، مقترناً بزيادة تكاليف البلاستيك والملابس ومواد البناء، يضع ضغوطاً هائلة على الاقتصادات الكبرى التي كانت تكافح لخفض معدلات التضخم، ويهدد بنقل صدمة التكاليف بأكملها إلى المستهلك النهائي في غضون الأشهر القليلة القادمة.
مخاطر التصعيد المستقبلية
لقد برهنت الأحداث الأخيرة على أن الحرب الجيوسياسية الحديثة لم تعد تقتصر على القواعد العسكرية أو الأهداف الاستراتيجية التقليدية، بل امتدت لتضرب الشرايين الدقيقة للاقتصاد العالمي المتمثلة في مصانع البتروكيماويات والممرات البحرية.
إن نجاح إيران في إحداث ارتباك واسع في مجمعات صناعية خليجية كبرى، والرد الأمريكي الإسرائيلي الذي سبق ذلك، أسسا لقواعد اشتباك جديدة تُتخذ فيها سلاسل الإمداد العالمية رهينة لتحقيق مكاسب أو فرض معادلات ردع سياسية، وهو ما أفرز صدمة تضخمية فورية تجلت في قفزات أسعار الإيثيلين وتوقف صادرات المضيق.
استمرار وتوسع هذه الحرب يحمل في طياته مخاطر كارثية تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتلامس كل مستهلك ومصنع حول العالم؛ فاستدامة إغلاق مضيق هرمز وإعلان المصانع الآسيوية توالي “القوة القاهرة” سيؤدي إلى شح غير مسبوق في المواد الأساسية للصناعات الحديثة.
ومع استمرار الضغط على هوامش ربحية الشركات، سيواجه الاقتصاد العالمي شبح تضخم هيكلي طويل الأمد، قد يجبر البنوك المركزية على سياسات نقدية أكثر تشدداً، مما ينذر بإدخال الأسواق العالمية في ركود اقتصادي عميق إذا لم يتم تدارك هذه الأزمة وحماية البنية الصناعية للطاقة بشكل عاجل.


