الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

قفزة غير مسبوقة وإمدادات متوقفة.. نفط الشرق الأوسط يتصدر الأسعار العالمية “بلا معنى”

الاقتصاد العربي | بقش

ارتفعت أسعار نفط الشرق الأوسط إلى مستويات غير مسبوقة جعلته الأغلى عالمياً، وسط الاضطرابات الواسعة الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وجاء الارتفاع بالتزامن مع تراجع ملحوظ في حجم التداولات، ما دفع بعض المتعاملين إلى التشكيك في دلالة مؤشرات الأسعار الحالية، وسط اختلال التوازن بين العرض والطلب.

إذ يرى المتعاملون أن “مؤشرات الأسعار لا معنى لها بسبب تعطل الإمدادات” وفق اطلاع “بقش” على تقرير لرويترز. وأشارت الوكالة إلى أن الحرب تسببت في تعطيل جزء كبير من تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما انعكس مباشرة على آليات التسعير العالمية، فمع تقلص الإمدادات الفعلية أصبحت الأسعار تعكس ندرة المعروض أكثر من كونها مؤشراً حقيقياً على نشاط السوق، ما خلق حالة من عدم اليقين لدى المتعاملين.

أرقام تاريخية تتجاوز أزمات سابقة

في هذا السياق، سجل سعر خام دبي النقدي مستوى قياسياً بلغ 153.25 دولاراً للبرميل لشحنات مايو، وفق بيانات جمعها بقش من وكالة “إس آند بي غلوبال بلاتس”، متجاوزاً بذلك الرقم القياسي التاريخي لخام برنت البالغ 147.50 دولاراً للبرميل، الذي سُجّل خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.

واكد هذا التطور حجم الصدمة التي تعرضت لها الأسواق، حيث لا ترتبط الأسعار فقط بالعوامل الاقتصادية التقليدية، وأصبحت رهينة للتطورات الجيوسياسية.

وفي المقابل، كشفت بيانات شركة “كبلر” عن انخفاض كبير في صادرات النفط من الشرق الأوسط إلى آسيا، حيث تراجعت إلى 11.665 مليون برميل يومياً خلال مارس، مقارنة بنحو 19 مليون برميل يومياً في فبراير، أي بانخفاض يقارب 32% مقارنة بمستويات مارس من العام الماضي، ويعود هذا التراجع إلى تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى تقليص الكميات المتاحة للأسواق الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على نفط المنطقة.

خسائر مليونية لمصافي آسيا

يشكل هذا الارتفاع في الأسعار تحدياً كبيراً لمصافي التكرير في آسيا، التي تعتمد على خامات الشرق الأوسط كمصدر رئيسي للإمدادات، فمع ارتفاع التكلفة تجد هذه المصافي نفسها أمام خيارات صعبة، تشمل البحث عن بدائل من مناطق أخرى أو خفض مستويات الإنتاج خلال الأشهر المقبلة.

ومن شأن هذه الضغوط أن تمتد آثارها إلى الأسواق النهائية، مع احتمال ارتفاع أسعار الوقود والمنتجات النفطية، ما يزيد من الأعباء على الاقتصادات المستوردة.

شركات تكرير النفط في آسيا، وخاصة في الصين واليابان، تواجه ضغوطاً مالية هائلة وخسائر تُقدر بمئات ملايين الدولارات نتيجة ارتفاع سعر خام دبي القياسي، حيث أدى هذا الارتفاع المفاجئ إلى انهيار استراتيجيات التحوط التي اعتمدتها المصافي لإدارة تكاليف اللقيم (أسعار المواد الخام)، حيث تحولت الأدوات المصممة لتقليص المخاطر إلى مصدر نزيف مالي حاد مع توقف وصول شحنات الخام الفعلية من الخليج العربي نتيجة استمرار الحرب.

يعود السبب الرئيسي لهذا الاختلال إلى التوقف شبه الكامل لحركة الناقلات عبر مضيق هرمز، مما أدى لقفزة تاريخية في الفارق السعري لعقود خام دبي لثلاثة أشهر ليصل إلى 55 دولاراً للبرميل وفق اطلاع بقش على بلومبيرغ، وهذا الرقم يمثل زيادة تزيد عن ثلاثة أمثال الذروة السابقة المسجلة في عام 2022، مما يعكس حجم الصدمة التي ضربت الأسواق الآسيوية التي تعتمد بشكل حيوي على إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة.

هذا الوضع وَضَع المصافي في مأزق تقني ومالي معقد، فهي تظل محتفظة بمراكز بيع “ورقية” (رهانات على انخفاض الأسعار) دون أن تمتلك البراميل الفيزيائية المقابلة لها لتغطية تلك المراكز أو تسويتها، ويعني هذا الاختلال الهيكلي غياب الحيازة الفعلية للنفط التي كانت من المفترض أن تعوض الخسائر الورقية، مما جعل الاستراتيجيات الاستثمارية المصممة للأوقات المستقرة تنهار تماماً في ظل ظروف الحرب والاضطراب الملاحي.

وعلى الرغم من محاولات منصات التداول التكيف مع هذه الظروف غير المسبوقة، يرى محللون أن التحدي اللوجستي سيستمر لفترة أطول حتى في حال توقف الحرب فوراً، إذ تُشير التقديرات إلى أن سلاسل الإمداد ستحتاج ما بين 6 إلى 8 أسابيع لتعود لمسارها الطبيعي، ما يعني أن المصافي الآسيوية لن تشهد انفراجة ملموسة في تدفقات الخام وتصحيح مراكزها المالية إلا بحلول أواخر شهر أبريل أو خلال شهر مايو المقبل.

وفي هذه الظروف يبدو أن سوق النفط يمر بمرحلة استثنائية، حيث لم تعد المؤشرات التقليدية كافية لفهم الاتجاهات، فتعطل الإمدادات وتراجع التداولات والتقلبات الحادة في الأسعار، جميعها عناصر تعقّد قراءة المشهد بدقة.

زر الذهاب إلى الأعلى