انهيار المجلس الانتقالي واختفاء رئيسه.. عاصفة أمنية واقتصادية جديدة في عدن

الاقتصاد اليمني | بقش
في تطور سياسي بالغ الحساسية، أعلن التحالف بقيادة السعودية أن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي هرب إلى جهة غير معلومة، متخلفاً عن السفر مع وفد المجلس المتجه للرياض، حيث كان من المقرر أن يشارك في لقاء مع رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي وقيادة التحالف.
واتهم التحالف الزبيدي بقيامه -قبل الاختفاء- بتحريك قوات كبيرة تضم مدرعات وآليات قتالية وأسلحة ثقيلة وخفيفة باتجاه محافظة الضالع، مسقط رأسه، إلى جانب توزيع أسلحة وذخائر على عشرات العناصر داخل عدن، في خطوة هدفت – بحسب البيان الذي اطلع عليه بقش– إلى زعزعة الأمن وإحداث حالة اضطراب داخل المدينة.
أضاف التحالف أن قواته وبالتنسيق مع القوات الحكومية وقوات “درع الوطن”، نفذت ضربات استباقية محدودة، استهدفت تعطيل تلك التحركات وإفشال ما وصفه التحالف بمحاولات الزبيدي دفع الأوضاع نحو مزيد من التصعيد، ومنع امتداد الصراع إلى محافظة الضالع.
وذكر التحالف أنه طلب من نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي، فرض الأمن ومنع أي اشتباكات تحدث داخل عدن وتجنب الاضطرابات والتعاون مع قوات درع الوطن من السعودية.
قرارات رئاسية
وأصدر العليمي قراراً بإسقاط عضوية الزبيدي من المجلس الرئاسي، وإحالته إلى النائب العام، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم مصنفة ضمن “الخيانة العظمى” والإضرار بأمن الدولة ووحدتها.
كم تقرر إعفاء وزيري النقل والتخطيط المحسوبين على المجلس الانتقالي، وإحالتهما للتحقيق، بعد فرار عيدروس الزبيدي. وتشير معلومات “بقش” إلى أن نائب وزير النقل “ناصر شريف” هو من يسيّر شؤون الوزارة في الوقت الحالي.
كما حصل “بقش” على معلومات تشير إلى حدوث تصدعات كبيرة داخل المجلس الانتقالي، وأن الرئاسة تنوي التعامل مع الانتقالي وممثليه الباقين غير المنشقين.
ووفقاً لمستشار مكتب الرئاسة فإنها تعتزم إكمال ملاحقة الزبيدي ومواليه ومحاكمتهم.
وفي السياق أعلن عضو وفد المجلس الانتقالي محمد الغيثي، عن وصول الوفد من عدن إلى الرياض، وقال إن “الأجواء إيجابية” وإن الوفد سيبدأ سلسلة لقاءات والتهيئة للحوار الجنوبي. وجاءت تصريحاته بعد أن كان الانتقالي قال إنه فقد التواصل مع وفده في الرياض، كما قال إن الزبيدي موجود في عدن بعد أن تخلف عن الطائرة المتجهة إلى الرياض، وذلك للإشراف على العمليات الأمنية والعسكرية.
وتتسارع وتيرة انهيار خارطة النفوذ التي كان يفرضها المجلس الانتقالي على نحو غير متوقع، فقبل نحو شهر كان الانتقالي يهيمن على معظم محافظات في الجنوب والشرق ذات ثقل سياسي وعسكري، ما منحه هامشاً واسعاً للحديث بلغة القوة ورفض كل الدعوات والمناشدات المطالِبة بالانسحاب أو إعادة التموضع.
لكن التطورات، بفعل التدخل السعودي العسكري، قلبت المعادلة، وتمكنت قوات “درع الوطن” والقوات التابعة لحكومة عدن، من تنفيذ عمليات عسكرية أفضت إلى السيطرة على أغلب المدن والمناطق التي كان الانتقالي يسيطر عليها.
وفي تعليق لـ”بقش”، قال المحلل الاقتصادي أحمد الحمادي إن قرار إسقاط عضوية الزبيدي وإحالته إلى النائب العام، وهروبه، كلها مستجدات تمثل نقطة تحول نوعية، حيث هي المرة الأولى التي تُواجَه فيها قيادة الانتقالي بإجراءات قانونية صريحة، لا ببيانات سياسية فضفاضة أو تسويات مؤقتة.
وأضاف أن إعفاء وزيري النقل والتخطيط وإحالتهما للتحقيق من جملة الأحداث يرسل رسالة واضحة بأن المظلة السياسية التي كان يتحرك تحتها الانتقالي تلاشت بالكامل، وهو ما يشير إلى مستجدات أمنية واقتصادية قادمة.
ورغم حديث التحالف بقيادة السعودية عن تجنيب عدن الاشتباك، فإن هناك مخاوف تفرض نفسها من الانفلات نحو مزيد من التدهور الأمني، وسط قلق من تفكك المنظومة الأمنية نتيجة تعدد مراكز القرار، وتهديد السلم الأهلي في مدينة عدن التي تعاني بالأساس من هشاشة أمنية واقتصادية.
وأشار ناشطون إلى أن الزبيدي يُحتمل أنه يسعى إلى تشكيل جبهة تمرد عسكرية انفصالية من الضالع، وهو ما عَكَس مخاوف من انزلاق الوضع إلى صدام مسلح، يزعزع السلم الأهلي ويهدد أعمال المؤسسات.
وحمل هروب الزبيدي جملة من الدلالات السياسية العميقة، في مقدمتها ما يمكن اعتباره إقراراً غير معلن بالهزيمة العسكرية، إذ تزامنت هذه الخطوة مع الانهيارات الميدانية المتسارعة، واقتراب سقوط عدن وفقدان أدوات الردع والمناورة التي كان يعتمد عليها في السابق، كما أوحى الفرار بالهروب من استحقاقات مؤتمر الرياض الذي دعا إليه العليمي وبموافقة السعودية، وما قد يفرضه هذا الحوار من ضغوط سياسية تغاير مشروع الانفصال الذي نادى به الزبيدي.
على الصعيد الاقتصادي
أكدت مصادر لـ”بقش” على عدم زعزعة أسواق الوقود حتى الآن، وهو ما كان يمثل الهاجس الأكبر، كما حافظت أسعار الصرف على استقرارها نسبياً حتى لحظة كتابة هذا التقرير.
وذكرت شركة النفط بعدن استمرار نشاطها التمويني بكامل طاقتها وبوتيرة عالية، وقالت إنها تعمل بكافة طواقمها الفنية والإدارية لضمان عدم حدوث أي اختناقات، وإن مخزونات الوقود متوفرة.
وأشار سليم مبارك، مصرفي بعدن، في حديث لـ”بقش” إلى أن الاقتصاد في عدن والمحافظات الجنوبية يعتمد بشكل كبير على الاستقرار النسبي، وأي فوضى أمنية ستنعكس فوراً على الخدمات وأهمها الكهرباء والمياه والوقود والوظائف، ما يضاعف معاناة المواطنين الذين لم يجنوا من تجربة الانتقالي سوى الشعارات، حد تعبيره.
وحذّر مبارك من احتمالية الانزلاق إلى منطقة تتعطل فيها أعمال حيوية مثل أنشطة الموانئ والنقل، إضافة إلى شلل محتمل في المؤسسات الخدمية التي هي بالأساس ضمن إشراف الانتقالي.
وذكرت مصادر في مطار عدن أن قوات من ألوية العمالقة تمكنت من تأمين المطار بالتنسيق مع قوات الأمن والحزام، وأن الوضع في المطار طبيعي والرحلات تسير كما هو مقرر لها.
هذا وفتح هروب الزبيدي وفصله، وما رافقه من تحركات ميدانية، فصلاً جديداً في المشهد اليمني، يحمل في طياته دلالاته العميقة التي قد تعيد رسم توازنات النفوذ والقوة في الجنوب، وتفرض سيناريوهات مغايرة للخطاب والتوجهات التي روّج لها المجلس الانتقالي.


