كيف أدارت موسكو شبكة لتهريب 90 مليار دولار من النفط للالتفاف على العقوبات الغربية بخادم بريد إلكتروني واحد؟

تقارير | بقش
في واحدة من أكثر عمليات التقصي المالي تعقيداً في تاريخ العقوبات الاقتصادية الحديثة، تكشف الستار عن إمبراطورية سرية عملاقة أسستها روسيا لضخ نفطها إلى الأسواق العالمية. التحقيق الاستقصائي الذي نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية واطلع عليه مرصد “بقش”، أزاح النقاب عن شبكة عنكبوتية تتألف من 48 شركة تجارية تبدو للوهلة الأولى كيانات مستقلة تعمل من عواصم مختلفة حول العالم.
إلا أن خطأً تقنياً قاتلاً – يتمثل في استخدام خادم بريد إلكتروني خاص واحد لربط مئات النطاقات الإلكترونية – فضح غرفة العمليات المركزية التي تدير هذه الشبكة، والتي صُممت خصيصاً لإخفاء هوية النفط الروسي، وتحديداً ذلك التابع لعملاق الطاقة الحكومي “روسنفت”.
حجم الأموال التي أدارتها هذه الشبكة يبعث على الذهول؛ فالسجلات والبيانات الجمركية الروسية والهندية المتقاطعة تثبت أن هذه الكيانات الوهمية مررت صادرات نفطية تتجاوز قيمتها 90 مليار دولار وفق قراءة بقش. ومع ذلك، يؤكد خبراء تتبع الأصول أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى والتقدير الأكثر تحفظاً، نظراً لتشعب مسارات الشحن واعتماد الشبكة على إخفاء الوثائق الجمركية.
هذا التدفق المالي الهائل ساعد الكرملين على تمويل آلته العسكرية، والالتفاف ببراعة على سقف الأسعار الذي فرضته مجموعة السبع (60 دولاراً للبرميل)، محولاً العقوبات الغربية من جدار مانع إلى مجرد عقبة لوجستية يمكن تجاوزها.
التحولات الجيوسياسية الأخيرة زادت من وتيرة عمل هذه الشبكات، خاصة في ظل سياسة “العصا والجزرة” التي تمارسها واشنطن. فعلى سبيل المثال، لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً إلى استخدام سلاح الرسوم الجمركية للضغط على حلفاء تقليديين مثل الهند، حيث ألغى رسوماً مفروضة على نيودلهي بمجرد تراجعها عن شراء النفط الروسي المكشوف.
هذه الضغوط الأمريكية المباشرة هي ما دفع الكرملين إلى تعميق اقتصاد الظل، والاعتماد بشكل شبه كلي على هذه الشبكات السرية لضمان استمرار تدفق شريان الحياة الاقتصادي لموسكو نحو أسواق بديلة.
أساطيل الأشباح وواجهات الأعمال: هندسة التحايل الروسي
لم تكن هذه الإمبراطورية لتنجح لولا الاعتماد على ما يُعرف في أسواق الطاقة بـ “أسطول الأشباح”. فمنذ فرض العقوبات على خلفية الحرب الأوكرانية، استعانت الشبكة بناقلات نفط متهالكة وغير مسجلة في نوادي الحماية والتعويض (P&I) الغربية.
من أبرز الأمثلة على ذلك، الارتباط الوثيق بين الشبكة المكتشفة وسفن كانت تديرها شركة “غاتيك شيب مانيجمنت” المسجلة في الهند، والتي صعدت من العدم في عام 2023 لتصبح من أكبر مالكي الناقلات الغامضة في العالم. هذه السفن تقوم بإطفاء أجهزة التتبع الآلي (AIS) الخاصة بها في عرض البحر، لتنفيذ عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى بعيداً عن الرادارات الدولية.
ولإضفاء شرعية شكلية على هذه العمليات، اعتمدت روسيا على وسطاء واجهة ذوي نفوذ عالٍ. من بين الأسماء البارزة التي طفت على السطح، رجال أعمال من أذربيجان يمتلكون شبكة علاقات معقدة مع إدارة “روسنفت”.
وتشير أصابع الاتهام الغربية إلى “طاهر غراييف”، مؤسس شركة “كورال إنيرجي” والمدرج على قوائم العقوبات البريطانية، و”إيتبار أيوب”، الذي تؤكد الاستخبارات الأوروبية قربه الشديد من “إيغور سيتشين”، الرئيس التنفيذي لشركة “روسنفت” وأحد أبرز حلفاء الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”. ورغم نفي الرجلين لأي تورط مباشر، إلا أن الأنماط التجارية تشير إلى هندسة مالية معقدة تُدار من خلف الكواليس لتمرير الشحنات.
عملية “غسيل النفط” لا تقتصر على السفن والرجال، بل تشمل تزوير المستندات وتغيير التسميات. وكما أشارت تقارير سابقة طالعها بقش من وكالة “بلومبيرغ”، فإن الشبكة تعمدت إدراج شحنات بمسميات ضبابية مثل “مزيج تصدير” بدلاً من التصريح عن نوع الخام الروسي بدقة (مثل خام الأورال).
ولزيادة التعقيد، تُمرر هذه الشحنات عبر مياه وموانئ دول وسيطة، مثل دولة الإمارات، قبل أن يتم تفريغها وبيعها كنفط “مجهول المصدر” إلى مصافي التكرير المتعطشة للطاقة في الصين والهند.
حرب الاستنزاف المالي: الغرب يلاحق والكرملين يبتكر
تعكس ديناميكية هذه الشبكة الطبيعة المرهقة لـ”لعبة القط والفأر” بين وزارة الخزانة الأمريكية والشركات الروسية. الميزة الأساسية لهذه الكيانات هي قصر عمرها الافتراضي؛ إذ تشير السجلات إلى أن متوسط نشاط الشركة الواحدة لا يتجاوز ستة أشهر وفق تتبُّع بقش. وما إن تفرض الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي عقوبات على واجهة ما، حتى يتم إغلاقها فوراً وتُنقل عقودها وموظفوها إلى شركة جديدة بأسماء مختلفة ولكن ضمن نفس “خادم البريد”. هذا التكتيك يجعل من محاولات الغرب لتطبيق العقوبات أشبه بمحاولة الإمساك بالدخان.
التصعيد الأبرز في هذه الحرب كان في أكتوبر 2025، عندما ضربت أمريكا بعقوبات قاسية شركتي “روسنفت” و”لوك أويل”. النتيجة لم تكن توقف التصدير، بل ظهور مفاجئ لشركة مجهولة تدعى “ريدوود غلوبال سابلاي”، والتي استحوذت بين ليلة وضحاها على النصيب الأكبر من صادرات الخام الروسي. ورغم مسارعة بريطانيا لفرض عقوبات عليها في ديسمبر من العام ذاته، إلا أن الشركة كانت قد نجحت بالفعل في تمرير شحنات بمليارات الدولارات، ما يثبت أن بيروقراطية العقوبات الغربية أبطأ بكثير من سرعة ابتكار المهربين.
هذا الواقع المحبط دفع كبار المسؤولين الغربيين إلى الاعتراف بصعوبة المهمة. وزيرة خارجية لاتفيا، بايبا برازي، صرحت بوضوح أن هذه الشبكات الموازية تجعل تطبيق سقف الأسعار “شبه مستحيل”، داعية إلى استهداف البنية التحتية التكنولوجية لهذه الشبكات بالكامل. من جهته، يقر ديفيد أوسوليفان، مبعوث الاتحاد الأوروبي للعقوبات، بأن موسكو تبتكر أنماطاً أكثر تعقيداً، وأن الهدف الغربي تحول من “المنع التام” إلى “رفع تكلفة التحايل”.
في المقابل، يوجز مسؤول روسي رفيع في قطاع الطاقة المشهد ببرود قائلاً: “العقوبات تخلق إرباكاً لوجستياً وتكاليف إضافية بلا شك، لكن في نهاية المطاف، يجب أن يستمر العرض”.
تكشف ما باتت تُسمى بفضيحة الـ90 مليار دولار عن حقيقة جوهرية في النظام المالي العالمي الموازي: العقوبات الاقتصادية، مهما بلغ حجمها وتشعبها، تفقد فعاليتها القاتلة عندما تواجه دولة بحجم روسيا تمتلك موارد طبيعية لا غنى عنها للاقتصاد العالمي.
اعتماد 48 شركة على خادم بريد إلكتروني واحد قد يبدو خطأً هواة أوقع بالشبكة، لكنه في جوهره يعكس الحجم الصناعي والمؤسسي الذي تدير به موسكو عمليات التهريب. وهنا تشير تقارير سابقة لبقش إلى أن الاقتصاد الروسي لم يعد يحاول الاندماج في النظام الغربي، بل بات يصنع نظامه اللوجستي والمالي الخاص، مستغلاً حاجة القوى الآسيوية الصاعدة للطاقة الرخيصة.
بالنظر إلى المستقبل، فإن المقاربات الدبلوماسية والاقتصادية تتغير. ومع عودة ترامب إلى توظيف الصفقات الثنائية والرسوم الجمركية كأدوات ضغط – كما فعل مع الهند – قد نرى تحولاً من التركيز على معاقبة “أساطيل الأشباح” وشركات الظل، إلى الضغط المباشر على الدول المستقبلة لهذا النفط.
مع ذلك، استمرار الخلل بين العرض والطلب العالمي، ووجود هوامش ربح خيالية لوسطاء الظل، يعنيان أن النفط الروسي سيظل يجد طريقه إلى الأسواق عبر بحار العالم، مغيراً جلده واسمه، ومثبتاً أن الجغرافيا السياسية للطاقة لا تعترف بالحدود الورقية.


