
تقارير | بقش
في تصعيد يعيد قطاع غزة إلى واجهة المجازر المفتوحة، تكشف المعطيات الواردة من الميدان خلال الساعات الأخيرة عن نمطٍ من الممارسات الإسرائيلية التي لا يمكن فصلها عن سياق الإبادة الجماعية الممنهجة، ولا عن سياسة خرق الهدنات واستباحة المدنيين، وسط صمت دولي فاضح.
حيث جددت إسرائيل قصفها على قطاع غزة وقالت إن القصف العنيف جاء “ردّاً على خرق للهدنة”، في ذريعةٍ جاهزة تُستخدم كلما أُريد نسف أي مسار تهدئة.
وحسب وزارة الصحة في غزة، فإن الغارات التي نُفذت اليوم السبت كانت الأعنف منذ أسابيع، وأسفرت عن استشهاد عشرات المدنيين، بينهم أطفال، في استهداف مباشر لمركز شرطة، ومنازل، وخيام تؤوي نازحين وفق اطلاع “بقش”. وهذا النمط من القصف، الذي يخلط عمداً بين الأهداف العسكرية المزعومة والأعيان المدنية، ينسف جوهر اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن العام الماضي، بعد حربٍ استمرت عامين، ويكشف أن “الهدنة” بالنسبة لإسرائيل ليست سوى أداة تكتيكية مؤقتة.
خروقات ممنهجة لا حوادث معزولة
تصريحات مدير مكتب الإعلام الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة أكدت وقوع أكثر من 1450 خرقاً إسرائيلياً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025، أسفرت عن استشهاد أكثر من 500 فلسطيني وإصابة نحو 1400 آخرين، إضافةً إلى اعتقال عشرات المدنيين من داخل الأحياء السكنية.
وتشير الأرقام إلى أن ما يحدث يعبّر عن سياسة خرق ممنهجة تهدف إلى إبقاء القطاع تحت الضغط العسكري الدائم، وإفراغ أي اتفاق من مضمونه.
وطال القصف خيمة للنازحين في منطقة المواصي بخان يونس، وأسفر عن استشهاد 12 فلسطينياً معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين. ووصف رئيس شبكة المنظمات الأهلية في غزة ما يحدث بـ”هندسة الفوضى”، عبر استهداف أجهزة إنفاذ القانون، في محاولةٍ لزعزعة ما تبقى من بنية اجتماعية وأمنية داخل القطاع، ودفعه نحو الانهيار الداخلي، بما يخدم أهداف الاحتلال في إدامة الفوضى والدمار.
ولم تعد التحذيرات من انهيار شبه كامل للمنظومة الطبية في غزة توصيفاً إعلامياً، بل باتت واقعاً يومياً مع خروج عشرات المستشفيات عن الخدمة، واستمرار إغلاق معبر رفح، ومنع إدخال المستشفيات الميدانية والطواقم الطبية، وحظر أكثر من 400 صنف من الأدوية والمستلزمات العلاجية، وكلها مؤشرات على سياسة متعمدة لاستهداف الحق في الحياة.
ويزداد المشهد قتامة مع استمرار اعتقال أكثر من 200 من الكوادر الصحية داخل السجون الإسرائيلية، بينهم أطباء يتعرضون للتعذيب، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية.
حكومة صنعاء تحذر
في هذا السياق، جاء موقف وزارة الخارجية بحكومة صنعاء ليعبّر عن تصعيد سياسي، محذّرةً إسرائيل من الاستمرار في ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
بيان الوزارة الذي اطلع عليه بقش وصف استهداف المدنيين والأعيان المدنية بأنه انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار ولجميع الأعراف الدولية، ونبّه إلى أن هذا العدوان يقوّض الجهود الدبلوماسية وينذر بعواقب وخيمة على أمن واستقرار المنطقة.
كما حمّل البيان الولايات المتحدة مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة بوصفها شريكاً رئيسياً في هذه الجرائم، في إشارة مباشرة إلى الغطاء السياسي والعسكري الأمريكي.
الأطفال في قلب الجريمة.. والذاكرة تقاوم
وبعيداً عن لغة البيانات، جاء “جدار الدموع” في بروكلين بنيويورك كصرخة إنسانية مدوية، توثّق أسماء أكثر من 18,457 طفلاً استشهدوا في غزة بين 07 أكتوبر 2023 و19 يوليو 2025.
هذا العمل الفني، الذي حوّل الأرقام إلى أسماء ووجوه وقصص، يكشف الحجم الحقيقي للجريمة التي تحاول إسرائيل وحلفاؤها اختزالها في “أضرار جانبية”.
افتتاح الجدار تزامن مع ذكرى استشهاد الطفلة الفلسطينية “هند رجب” التي قُتلت عمداً مع أفراد من أسرتها، رغم مكالمات استغاثتها المسجلة، في حادثةٍ باتت رمزاً لوحشية الاحتلال.
ويٌوصف ما يجري في غزة اليوم بأنه استمرار لسياسة إسرائيلية قائمة على خرق الهدن، واستهداف المدنيين، وتدمير مقومات الحياة، في إطار مشروع إبادة جماعية متدرج.
الذرائع الأمنية لم تعد تقنع أحداً أمام أرقام الشهداء، وخرائط النزوح، وانهيار المستشفيات، وأسماء الأطفال المحفورة على “جدار الدموع”. والأخطر أن الصمت الدولي والدعم الأمريكي لا يشكلان فقط سقوطاً أخلاقياً، بل مشاركة فعلية في الجريمة.
ووسط هذا المشهد تبدو التحذيرات انعكاساً لحقيقة أن استمرار هذه الممارسات لن يبقى دون ارتدادات، في الوقت الذي أصبح فيه الدم المسفوك في غزة جرحاً مفتوحاً في ضمير العالم.


