
أخبار الشحن | بقش
في خضم التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، تصدّرت عناوين إعلامية عالمية تقارير تفيد بأن شركات التأمين البحري سحبت تغطيات مخاطر الحرب من السفن العابرة للمنطقة خلال مهلة قصيرة، لكن تقريراً اطلع عليه “بقش” نشرته منصة “لويدز ليست” البريطانية لشؤون الشحن البحري، أكد أن هذه الرواية “غير صحيحة”، وأوضح أن نوادي الحماية والتعويض لم تُلغِ تغطية مخاطر الحرب، لكن ما حدث هو إجراء تقني محدود لا يمس جوهر التأمين القائم.
وفقاً للتقرير الذي أعده الصحفي المتخصص ديفيد أوسلر، فإن جميع وثائق التأمين الحالية ضد مخاطر الحرب ستظل سارية، كما أن وثائق جديدة للرحلات المستقبلية لا تزال متاحة في السوق، حتى وإن امتنعت بعض الشركات مؤقتاً عن تقديم عروض أسعار.
غير أن العقود الجديدة الموقعة اعتباراً من مطلع الأسبوع الجاري ستكون بتكلفة أعلى تتراوح بين أربعة وخمسة أضعاف الأسعار التي كانت سائدة قبل التصعيد، ويورد التقرير أنّ هذا الارتفاع يعكس طبيعة سوق مخاطر الحرب الذي يتفاعل سريعاً مع التطورات الجيوسياسية.
ينقل التقرير عن “سيمون لوكوود”، من شركة الوساطة “ويليس”، تأكيده أن “بعض التقارير الإعلامية أشارت إلى سحب جميع تغطيات مخاطر الحرب، إلا أن هذا ليس صحيحاً حالياً. التغطية لا تزال متاحة”، مضيفاً أن احتمال وجود مرافقة بحرية للسفن قد يعزز الثقة ويُسهم في تهدئة الأسعار.
ما الذي حدث فعلاً؟
لفهم الصورة بدقة، يوضح التقرير أن نوادي الحماية والتعويض (P&I Clubs) توفر أساساً تغطية لمخاطر المسؤولية البحرية بسعر التكلفة، بينما تُستثنى مخاطر الحرب من هذه التغطية بموجب لوائحها، ولهذا السبب يُعد التأمين ضد مخاطر الحرب فئة مستقلة، يشتريها مالكو السفن عادة من مزودين تجاريين في أسواق لندن ودول الشمال الأوروبي وغيرها.
إضافةً إلى ذلك، تُفرض “رسوم إضافية” كلما دخلت سفينة منطقة مصنفة كمنطقة خطر حرب، وغالباً ما تنص عقود التأجير على تحميل المستأجر هذه التكاليف، باعتباره الطرف الذي أمر بالرحلة إلى المنطقة الخطرة.
أما الإشعار الذي أثار الجدل، فقد صدر عن المجموعة الدولية لأندية الحماية والتعويض ويتعلق حصراً بما يُعرف بـ”تمديدات مخاطر مسؤولية المستأجرين” وفق قراءة بقش، وهي منتجات ذات قسط ثابت تغطي مسؤوليات محتملة على المستأجر، بما في ذلك مخاطر الحرب.
هذه التغطية ستنتهي صلاحيتها عند منتصف الليل، لكن الأندية تعمل على توفير بدائل عبر ما يُعرف ببرنامج “إعادة الشراء”، بحيث يتمكن المستأجرون من إعادة شراء التغطية مقابل أقساط إضافية.
ويكشف التقرير أن التعقيد الحقيقي جاء من جانب شركات إعادة التأمين التي تدعم هذه التغطيات، فبعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فعّلت بعض شركات إعادة التأمين حقها في استبعاد مطالبات الخليج بإشعار مدته 72 ساعة فقط، ما أجبر الأندية على إصدار إشعارات إلغاء فني لعملائها.
وهذه ليست سابقة كما يقول التقرير، إذ حدث أمر مشابه عقب الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 فيما عُرف داخل القطاع باسم “استبعاد الروبل”، كما تكرر الأمر عام 2024 عند استبعاد البحر الأحمر بسبب مخاطر الهجمات على السفن. وفي كلتا الحالتين، عبّر قادة الأندية عن استيائهم مما وصفوه برد الفعل المتسرع من معيدي التأمين، معتبرين أنه محاولة لحماية مراكزهم المالية.
شروط إعادة الشراء والتكلفة المتوقعة
وفقاً للوسطاء، يُفترض أن تكون منتجات إعادة الشراء متاحة قبل انتهاء المهلة، إلا أن العملية تأخرت قليلاً بسبب سعي شركات إعادة التأمين لفرض ضمانات تقييدية.
“بيبا أتكينز” من شركة “لوكتون بي إل فيراري” توقعت أن تتاح حدود إعادة الشراء حتى نحو 200 مليون دولار، مع رسوم تتراوح بين 0.04% و0.05% من الحد الأقصى للتأمين المشترى، بينما قد تصل إلى 0.06% للحدود الأدنى.
ويعني ذلك عملياً أن شركات النفط الكبرى وبيوت التجارة ستدفع فواتير إضافية مقابل تغطية كانت مدرجة سابقاً ضمن الحزمة الأساسية، لكن التقرير وفق اطلاع بقش يرى أن هذه الشركات ليست في وضع مالي حرج، بل قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، ما يجعل الزيادة أقرب إلى “إزعاج مالي” منه إلى أزمة هيكلية.
سوق يستعد لصراع طويل
إلى ذلك، يستعد مكتتبو التأمين البحري لفترة ممتدة من التوتر، وأشار مختصون مثل “مونرو أندرسون” من وحدة “فينيل بروتكت” التابعة لشركة “بين أندرويتينغ”، إلى أن سلوك إيران يوحي بالتحضير لصراع طويل الأمد، لا لمواجهة قصيرة.
وقد أدى إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، مع التحذير من استهداف السفن العابرة، إلى تراجع حركة الملاحة التجارية بشكل ملحوظ. ويرى أندرسون أن احتمال استمرار اضطرابات تجارية شديدة وارتفاع مستويات المخاطر سيبقى قائماً على المدى القصير إلى المتوسط.
كما لفت إلى أن خليج عمان قد يشهد مخاطر تشغيلية أعلى من الخليج العربي في المرحلة القريبة، نظراً لضيق مساحته وكثافة الملاحة فيه، إضافة إلى نمط سابق من استهداف السفن قرب المضيق، وحذر من أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الاستراتيجي قد يحدث حتى دون إعلان رسمي، عبر التهديدات أو الاعتراضات أو الهجمات غير المتكافئة بالطائرات المسيّرة أو الألغام، ما قد يقوض الجدوى التجارية للمنطقة.
خلاصة ما نشرته Lloyd’s List أنّ ما بدا للوهلة الأولى انسحاباً جماعياً من سوق التأمين البحري لم يكن سوى إعادة تموضع محسوبة داخل منظومة شديدة التعقيد، تتفاعل بسرعة مع الصدمات الجيوسياسية، فالتغطيات لم يتم إلغاؤها، لكن كلفتها ارتفعت، وشروطها أصبحت أكثر صرامة نتيجة ضغوط شركات إعادة التأمين.
وبينما يواجه قطاع الشحن البحري مرحلة شديدة الحساسية، فإن ما يجري يعبّر عن ديناميكية معتادة في أسواق التأمين البحري خلال الأزمات الجيوسياسية، أي الارتفاع السريع في الأسعار، وإعادة هيكلة فنية للتغطيات، ثم عودة تدريجية إلى التوازن وفق تطورات الميدان.


