الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

جفاف غير مسبوق في اليمن وضغوط متزايدة على الزراعة والأمن الغذائي

متابعات محلية | بقش

شهدت اليمن خلال شهر أكتوبر 2025 انكماشاً واضحاً في كمية الأمطار والنماذج الزراعية، ما يعكس بداية مرحلة من الجفاف قد تكون الأخطر خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك في الوقت الذي يواجه فيه المزارعون ضغوطاً مزدوجة من الحرارة المرتفعة وانخفاض الرطوبة الأرضية.

وبحسب تقرير قدمته منظمة الأغذية والزراعة للفترة بين 1 و 31 أكتوبر واطلع عليه بقش، فقد سجلت المرتفعات الغربية كميات بسيطة من الأمطار بواقع أعلى مجموع حوالي 84 ملم في الحديدة، بينما عانت أجزاء كبيرة من البلاد من غياب شبه تام للهطول، ما يجعل أكتوبر من بين أكثر أشهر الخريف جفافاً.

هذا الواقع المناخي يأتي في وقت حرج للقطاع الزراعي اليمني، إذ إن تنامي درجات الحرارة فوق المعدل -من أقل من 5 °م في المرتفعات إلى أكثر من 35 °م في المناطق الساحلية- يزيد من استنزاف المياه ويخفض إنتاجية المحاصيل في نهاية الموسم، ويُهدد المراعي الطبيعية وقدرة الثروة الحيوانية على التكيف.

وفي حين أن حوالي 70% من الأراضي الزراعية أظهرت مؤشّرات غطاء نباتي (VCI) مرتفعة، فإن مناطق عدة مثل أبين والبيضاء والضالع وتعز ولحج والسواحل سجلت ضغطاً محلياً واضحاً، ما يعكس تفاوتاً كبيراً في تأثير الجفاف بين المناطق الزراعية المختلفة.

الأمطار شحيحة وغير منتظمة… بداية مأزق للموسم الزراعي

رصد التقرير أنّ الهطول المطري في أكتوبر جاء أقلّ من المعتاد، مع وقوعه في زخّات متفرّقة في المرتفعات الغربية بينما بقيت مساحات واسعة بلا ما يكفي من الأمطار لتغذية التربة أو تغطية إجراءات الري الموسمي. وتبيّن أن الحديدة سجّلت أعلى مجموع، بحوالي 84 ملم، لكنه مبلغ ضئيل مقارنة بالسنوات السابقة.

وأدّى هذا النمط غير المنتظم إلى تفاقم مخاطر الزراعة المطرية، إذ لم يتمكن المزارعون من الاعتماد على الأمطار، بل اضطر بعضهم لتأجيل الزراعة أو تقليص المساحات المزروعة. هذا الأمر انعكس على توقعات الإنتاج في مناطق تعتمد كلياً على نظام الأمطار.

كما أن عنصر المفاجأة في التوزيع الجغرافي للأمطار زاد من صعوبة التخطيط الزراعي، فالمناطق التي ظهرت ظاهرة خفّة الهطول لم تكن دائمًا نفس المناطق المتوقّعة، ما أثّر على سلاسل التوريد والمخزون المائي المحلي.

ويحذّر التقرير من أن استمرار هذا الاتجاه لفترة أطول من اللازم قد يدفع الزراعة نحو دورة ضعف أو توقف في بعض المديريات، خصوصاً في تلك التي تعتمد على السيول والأنهار الموسمية، ما يهدد أساس الإنتاج المحلي.

حرارة مرتفعة وضغوط مائية… عاملان يتحكّمان بالموسم

سجّلت جميع أنحاء اليمن درجات حرارة أعلى من المعدل خلال أكتوبر، ما أثّر سلباً على توازن المياه والتبخّر من التربة. ففي المرتفعات قد تقلّ الفوارق إلى أقل من 5 °م، فيما ارتفعت درجات الحرارة في السواحل إلى أكثر من 35 °م، ما يزيد من استنزاف مخزون المياه السطحية والجوّفية.

وقد ظهر تأثير هذا الارتفاع في الحرارة في ضعف نمو بعض المحاصيل في نهاية الموسم، خصوصاً في النماذج التي كانت تنتظر انخفاضاً في الحرارة أو رطوبة أعلى لتعزيز إنتاجيتها.

كذلك، انعكس الأمر على الثروة الحيوانية التي شهدت انخفاض مستوى الرعي الطبيعي في المناطق الساحلية والوديان.

ويشير التقرير إلى أن التعامل مع هذا النوع من الضغوط يتطلب خطوات تكيفية سريعة، منها تحسين نظم الري، وزراعة أصناف أكثر تحمّلاً للجفاف، وإعادة التفكير في توقيت الزراعة. فغياب هذه الإجراءات يعرض الزراعة المحلية لمخاطر كبيرة في السنوات المقبلة.

كما يدعو التقرير إلى تحسين إدارة المخزون المائي وتوسعة مشاريع تمويل تحسين التربة، لأن استمرار المعدلات المرتفعة للحرارة دون إجراءات استباقية سيخلق فجوات إنتاجية يصعب تعويضها لاحقاً.

الغطاء النباتي يبدو جيداً ظاهرياً… لكن القلق الكامن واضح

على رغم التشوّش المناخي، أظهرت بيانات الغطاء النباتي التي قرأها بقش أن نحو 70% من الأراضي الزراعية تحقق مستويات جيدة من مؤشر الحالة النباتية (VCI)، ما يمنح مؤشراً أولياً بأن النمو ما يزال جارياً في أجزاء واسعة من البلاد.

مع ذلك، وبحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة، فإن عدداً من المديريات في أبين والبيضاء والضالع وتعز ولحج والسواحل تواجه “ضغوطاً محلية” تمثّلت في تراجع واضح في كثافة الغطاء النباتي، ما يجعلها أكثر عرضة لجفاف مفاجئ أو توقف الإنتاج.

وفي تلك المناطق، شهدت بعض المحاصيل المتأخرة تراجعاً في النمو، بينما تأثرت المراعي الطبيعية بتراجع جودة الأعشاب والرعي، ما قد ينعكس لاحقاً على الثروة الحيوانية وإنتاج اللبن واللحوم.

ويشير التقرير إلى أن المؤشر الجيد نسبيّاً ليس سبباً للاسترخاء، بل بمثابة “فرصة مؤقتة” لتحسين الإعداد والاستعداد لموسم صعب حسب اطلاع بقش. فالمهمة الحقيقية تبدأ حين تتجاوز العمليات الزراعية مرحلة مقاومة التأثير وصولاً إلى مرحلة التأقلم والتكيف البنيوي.

أثر مباشر على الأمن الغذائي وتحديات مستقبلية

أدى ضعف الأمطار وتأخرها وارتفاع الحرارة إلى انخفاض ملحوظ في إنتاجية الحبوب والخضروات في بعض المناطق. فقد رُصدت مؤشرات شدة تتراوح بين 55% إلى 70% في المديريات المتضررة، ما يعكس مستوى الضغط على المحاصيل المتأخرة في أبين ولحج والبيضاء.

كما تأثرت أنظمة الري الخلفية التي تعتمد على مياه السيول والأنهار الموسمية، وتدهورت المراعي الطبيعية، وهو ما يضع عبئاً مزدوجاً على الأسر الزراعية البسيطة التي تعتمد إما على إنتاج الحبوب أو رعي الماشية أو كلاهما، وبالتالي تتأثر مباشرة بكفاءة زراعتهم أو قدراتهم على الكسب.

ولأن هذه الضغوط تأتي في وقت تتزايد فيه احتياجات الأمن الغذائي للمواطنين، فإن استمرار هذا المناخ الضار قد يزيد من خطر انعدام الأمن الغذائي في بعض المديريات، خصوصاً تلك النائية التي تفتقر إلى بنية تحتية زراعية قوية أو مصادر بديلة للري.

ويحذّر التقرير من أن تجاوز هذا التراجع غير المعالج قد يؤدي إلى نزوح داخلي جزئي أو نقل للأنشطة الاقتصادية الريفية، ما يستدعي تحركاً عاجلاً لدعم الزراعة والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية.

يعكس هذا التقرير من منظمة الأغذية والزراعة أن اليمن دخل في مرحلة من المناخ الزراعي الصعب، حيث تتلاقى الجفاف وارتفاع الحرارة وضعف الغطاء النباتي في مزيج ينذر بتداعيات واسعة للزراعة والأمن الغذائي وفق قراءة بقش. فالمعطيات الحالية ليست مجرد تذبذب موسمي، وإنما مؤشرات أولية لتحول محتمل في أنماط المناخ الزراعي.

ومع هذه الصورة، تصبح الحاجة إلى الاستعداد والتكيف أمراً ملحاً. ويشمل ذلك تحسين أنظمة الري، وتعزيز القدرات المجتمعية الزراعية، وتوجيه الدعم نحو المديريات الأكثر تأثراً. فالتأخر قد يؤدي إلى خسائر إنتاجية يصعب تعويضها، وتراجع أراضي قد تعطّل استعادتها لأعوام.

في نهاية المطاف، إن مواجهة هذا الواقع تتطلّب رشداً في التخطيط الاستراتيجي والزراعي، وتوحيد الجهود بين الجهات المعنية، لضمان أن البلاد لا تفقد مكتسباتها الزراعية وأن الأسر الريفية لا تتحول من منتجة إلى متضرّرة. المستقبل الزراعي في اليمن يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استجابة فورية ومدروسة.

زر الذهاب إلى الأعلى