الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

مؤسسة كهرباء واحدة ورّدت الإيرادات إلى مركزي عدن.. لماذا تتباطأ وتيرة “الإصلاحات الحكومية”؟

الاقتصاد اليمني | بقش

أُعلن عن قيام المؤسسة العامة للكهرباء في عدن بتوريد إيراداتها المالية إلى بنك عدن المركزي، لتصبح بذلك أول مرفق حكومي يلتزم رسمياً بقرار حكومة عدن بشأن حصر جميع الإيرادات العامة في حسابات المركزي، بعد سنوات طويلة من تحويل إيرادات الكهرباء في مناطق حكومة عدن إلى حسابات خارج النظام المالي الرسمي، بما فيها شركات الصرافة، ما جعلها عرضة للفساد والتصرفات غير القانونية من قبل مئات الجهات الإيرادية.

وزير الكهرباء المعيّن حديثاً، عدنان الكاف، قال في تصريحات صحفية تابعها “بقش” إن خطوة توريد إيرادات كهرباء عدن تأتي في إطار جهود حكومية شاملة لتجفيف منابع الفساد وضمان توظيف الإيرادات في تطوير القطاع الكهربائي، الذي يُعد من أهم القطاعات الخدمية المرتبطة بالنمو الاقتصادي، وأشار الوزير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد فرض نفس الإجراءات على جميع مؤسسات الكهرباء في محافظات حكومة عدن، لضمان عدم استغلال أي طرف لهذه الإيرادات خارج القوانين واللوائح المعتمدة.

غير أن هذه المبادرة، رغم أهميتها الرمزية والعملية، سلّطت الضوء على بطء ملموس في تنفيذ خطة الإصلاحات المالية الحكومية، التي كانت قد أُعلنت بموجب القرار الرئاسي الصادر في أكتوبر 2025 حسب متابعات بقش.

فحتى الآن لم تُسجل أي خطوة مماثلة من قِبل بقية مؤسسات الكهرباء في المحافظات الأخرى، ما يعكس استمرار الاعتبارات المرتبطة بالنفوذ والقوى السياسية، وكذلك العقبات الإدارية، التي تعيق تنفيذ الإصلاحات على نطاق واسع، ويطرح تساؤلات حول جدية حكومة عدن في تطبيق إصلاحات مالية شاملة تتطلب انضباطاً مؤسساتياً على مستوى الدولة.

ويشير مراقبون إلى أن توريد كهرباء عدن لإيراداتها يقيس مدى قدرة حكومة عدن، المدعومة من السعودية، على فرض الانضباط المالي، خصوصاً بعد قرابة عقد شهدت فيه مؤسسات الكهرباء تحويلاً غير قانوني للإيرادات إلى حسابات خارج البنك المركزي.

وخلال هذه الفترة الطويلة الماضية، تعاقب على وزارة الكهرباء قرابة خمسة وزراء، لم يتمكن أربعة منهم من فرض توريد الإيرادات، لأسباب متعددة تتعلق بالضعف المؤسسي، وضغوط محلية، وشبكات النفوذ السياسي، وانعدام الرقابة الفعالة.

ويعلّق المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” لـ”بقش”، بقوله إن القوى المحلية والسياسية، بما فيها سلطات محلية وأحزاب فاعلة في المحافظات، غالباً ما تتداخل مع إدارة الموارد المالية، ما يجعل أي خطوة لتوحيد الإيرادات تحت سلطة بنك عدن المركزي أو فرض رقابة صارمة عليها تواجه مقاومة قوية.

ويضيف أنّ هذا الأمر يظهر في حالة بقية مؤسسات الكهرباء، التي لم تورّد إيراداتها حتى الآن. كما أشار إلى أن هناك عوامل إجرائية وتنظيمية تعيق تنفيذ القرارات الحكومية، فالإصلاحات -حسب رأيه- تتطلب لوائح مفصلة وآليات رقابية، وهو ما لم يتوفر بعد بشكل كامل في جميع الوزارات والمؤسسات، مما يؤخر التطبيق الفعلي للقرارات حتى لو كانت النوايا الحكومية واضحة.

من جانب آخر، تلعب الأوضاع الأمنية والاجتماعية غير المستقرة دوراً غير مباشر في تباطؤ الإصلاحات. ويرى الحمادي أن النزاعات المحلية والانقسامات التي ما زالت قائمة، تجعل أي تطبيق للإصلاحات المالية معرّضاً للعرقلة أو التأخير.

بنك عدن المركزي في قلب الأزمة

في السياق، وفي الوقت الذي وُضفت فيه هذه الخطوة بأنها تعزز الشفافية، لا يزال بنك عدن المركزي يواجه تحديات مالية كبيرة، وسط أزمة السيولة المحلية وتراجع الثقة في القطاع المصرفي، إضافة إلى الاضطرابات المالية الناتجة عن الانقسام النقدي وتعدد مراكز القرار الاقتصادي. ويشار إلى أن الاعتبارات المرتبطة بالنفوذ السياسي أدت إلى تقييد قدرة بنك عدن المركزي على إدارة السياسة النقدية بفعالية، حيث طالب المركزي مراراً بتمكينه من مهامه وصلاحياته وامتيازاته كاملةً دون تدخلات.

ويُنظر إلى أن التوريد، الذي يسير ببطء حتى الآن، للإيرادات الحكومية إلى بنك عدن المركزي، يمثّل أداة حيوية لتعزيز موارد البنك المالية، وتمكينه من مواجهة أزمة السيولة، وتيسير تمويل احتياجات الحكومة الأساسية.

ويرى اقتصاديون أن السلطات النقدية لن تتمكن من السيطرة الكاملة على المشهد النقدي والمصرفي إلا من خلال الالتزام الكامل من بقية المؤسسات الحكومية بتوريد إيراداتها، وتوحيد الدورة المالية للدولة، والحد من التلاعب بالإيرادات العامة، وضمان توجيه الأموال إلى المشاريع التنموية والخدمية الحيوية.

ومع ذلك، يُعتبر نجاح الإصلاحات المالية مشروطاً بأكثر من مجرد خطوات أولية من بعض المؤسسات، إذ تتطلب حزمة إجراءات تشريعية وتنظيمية، وفقاً للاقتصادي الحمادي، إلى جانب إرادة سياسية قوية لضمان الامتثال الكامل من جميع الجهات الحكومية والخدمية.

ويُعتقد أن غياب توريد الإيرادات من بقية المؤسسات الحكومية، بما فيها مؤسسات الكهرباء، يهدد فعالية هذا الإصلاح ويُبقي النظام المالي عرضة للاضطرابات، ويُضعف قدرة حكومة عدن على مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة رغم الدعم السعودي المعلَن عنه في الآونة الأخيرة بعد إقصاء النفوذ الإماراتي من المشهد.

زر الذهاب إلى الأعلى