تقارير
أخر الأخبار

35 يوماً من لعبة عض الأصابع.. الإغلاق الحكومي الأمريكي يكلف مليار دولار يومياً

تقارير | بقش

أصبح الإغلاق الحكومي الأمريكي منذ 01 أكتوبر أطول إغلاق في تاريخ أمريكا، وسط حالة من الشلل الإداري والانقسام السياسي الحاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتقديرات بخسائر يومية تقارب المليار دولار.

الإغلاق الذي بدأ نتيجة فشل الكونغرس في تمرير قوانين التمويل الجديدة، شلّ المؤسسات الفيدرالية وأوقف تدفق الخدمات الأساسية وأجبر مئات آلاف الموظفين الحكوميين على إجازات غير مدفوعة، فيما واصل العاملون في القطاعات الحساسة كالأمن والنقل والجيش أداء مهامهم دون رواتب في انتظار نهاية الأزمة.

وأعلنت إدارة ترامب اليوم أنها ستقوم بتمويل جزئي لبرنامج المساعدات الغذائية SNAP بعد الإغلاق الحكومي، وفقاً لأوامر محاكم فيدرالية، ووفق اطلاع بقش لم يتضح بعد حجم المبالغ التي سيحصل عليها المستفيدون أو متى ستظهر الأموال في بطاقات الدعم الإلكترونية التي يستخدمونها لشراء المواد الغذائية.

وزارة الزراعة الأمريكية أبلغت محكمة اتحادية في ولاية “رود آيلاند” بأنها ستستخدم 5.25 مليارات دولار من أموال الطوارئ لتغطية جزء من استحقاقات برنامج المساعدة الغذائية خلال شهر نوفمبر الجاري، تنفيذاً لأمر قضائي صدر الأسبوع الماضي.

وحسب متابعات بقش، يعود جذر الأزمة إلى خلافات جوهرية حول أولويات الإنفاق الفيدرالي، إذ يتمسك الجمهوريون بقيادة ترامب برفض تمديد برامج الإنفاق الاجتماعي، وعلى رأسها إعانات التأمين الصحي ضمن قانون الرعاية الميسّرة المعروف بـ”أوباما كير”، بينما يصر الديمقراطيون على تضمين هذه الإعانات ضمن حزمة التمويل الجديدة باعتبارها مسألة تمس حياة أكثر من 20 مليون أمريكي.

هذا التعارض الحاد جعل الكونغرس عاجزاً عن تمرير أي تمويل مؤقت، رغم أن مجلس النواب أقرّ مشروعاً أولياً في 19 سبتمبر، إلا أن فشل مجلس الشيوخ في تمريره، نتيجة الحاجة إلى أغلبية 60 صوتاً، أدخل البلاد في أطول إغلاق تشهده منذ تأسيسها.

شبكة CBS News ذكرت أن المجلس فشل في تمرير قرارات التمويل المؤقت 13 مرة خلال شهر أكتوبر الماضي، ما عمّق الأزمة وأدى إلى حالة شلل تشريعي غير مسبوقة. وبينما تحاول الإدارة التهوين من حجم الكارثة، تكشف التقارير التي تتبَّعها بقش عن أضرار اقتصادية واجتماعية متزايدة تطال قطاعات متعددة من المجتمع الأمريكي.

وبعد 13 جولة تصويت فاشلة في مجلس الشيوخ على مشروع قانون تمويل مؤقت قدمه الجمهوريون، يستعد المجلس اليوم (4 نوفمبر) لجولة تصويت جديدة، في محاولة لكسر الجمود السياسي الذي يطيل أمد الإغلاق. وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثيون: “أنا متفائل، أشعر أننا نقترب من طريق الخروج من الأزمة”.

فيما أشار زعيم الديمقراطيين بالمجلس ديك دوربين إلى أنه يشارك هذا الإحساس الحذر، لكنه أضاف: “ما زلنا عالقين عند نقطة الخلاف الأساسية حول تكاليف الرعاية الصحية”.

أما رئيسة لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ سوزان كولينز، فأكدت أن الجانبين حققا بعض التقدم خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنها حذّرت قائلة: “كل شيء يمكن أن ينهار مجدداً، لا يوجد اتفاق بعد” حسب قراءة بقش للتصريحات.

وفي مجلس النواب، اقترحت مجموعة ثنائية من النواب المعتدلين، ثلاثة جمهوريين وديمقراطي واحد، خطة تسوية تمتد لعامين، تقضي بتمديد الإعفاءات الضريبية لبرنامج التأمين الصحي (Affordable Care Act) مع وضع حدود جديدة للدخل المؤهل.

ترامب في مواجهة الديمقراطيين

منذ اللحظة الأولى، تبنّى الرئيس ترامب خطاباً تصعيدياً وحمّل الديمقراطيين المسؤولية الكاملة عن الإغلاق، قائلاً في مقابلة مع شبكة CBS إن خصومه السياسيين “فقدوا صوابهم” وإن الإغلاق لن ينتهي إلا حين “يرضخون” لمطالبه.

لكن اللافت في موقف ترامب أنه لم يقدّم أي خطة بديلة أو رؤية عملية لتجاوز الخلاف حول الرعاية الصحية، مكتفياً بانتقاد “أوباما كير” واصفاً إياه بأنه “نظام فاشل ومكلف”.

وزاد الرئيس من حدة الأزمة حين دعا الجمهوريين في مجلس الشيوخ عبر منصته “تروث سوشيال” إلى إلغاء قاعدة التعطيل التشريعي (الفيليبستر)، بما يسمح بتمرير حزمة التمويل دون الحاجة لأصوات الديمقراطيين، وهي خطوة شبه مستحيلة سياسياً في ظل توازن القوى داخل المجلس.

صحيفة الغارديان البريطانية نقلت عن مصادر مقربة من البيت الأبيض أن ترامب لوّح بعدم ضمان صرف الأجور المتأخرة للموظفين المسرّحين مؤقتاً، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن “إمكان تسريح دائم لعدد من الموظفين الحكوميين إذا استمر الإغلاق” وفق اطلاع بقش، مؤكداً أن “الكثير من تلك الوظائف لن تعود أبداً”، ما أثار موجة غضب واسعة واتهمه خصومه باستغلال معاناة المواطنين كورقة ضغط سياسية.

قرارات استثنائية وإجراءات مثيرة للجدل

مع امتداد الإغلاق وتفاقم تبعاته، لجأت إدارة ترامب إلى إجراءات استثنائية وصفت بأنها “سابقة تاريخية”، ففي 11 أكتوبر، بدأت الإدارة بتسريح موظفين فيدراليين بشكل دائم، وهو أول تسريح واسع النطاق خلال فترة انقطاع التمويل في العصر الحديث، قبل أن تصدر محكمة فيدرالية في 15 أكتوبر قراراً يقضي بتجميد عمليات التسريح مؤقتاً بعد طعون قانونية.

وفي اليوم نفسه، وجّه ترامب وزارة الدفاع بدفع رواتب العسكريين، بعدما كان من المتوقع حرمانهم من رواتب منتصف الشهر، ثم أعلن في 25 أكتوبر عن تبرّع خاص بقيمة 130 مليون دولار من رجل أعمال مجهول، اتضح لاحقاً أنه رجل الأعمال تيموثي ميلون، لتغطية رواتب الجيش الأمريكي وفق متابعة بقش. القرار أثار جدلاً واسعاً حول مشروعيته القانونية وملاءمته الأخلاقية، باعتباره خرقاً لقانون مكافحة العجز الذي يمنع تمويل الأنشطة الحكومية عبر تبرعات خاصة.

في المقابل، أعلنت وزارة الزراعة الأميركية في 27 أكتوبر أنها ستوقف مساعدات برنامج الغذاء التكميلي (SNAP) لشهر نوفمبر، وهو ما هدد حياة 42 مليون أمريكي، إذ يحصل على المساعدات واحد من كل ثمانية أمريكيين تقريباً.

ووفقاً لمركز سياسة الحزبين (Bipartisan Policy Center)، فإن الإغلاق أجبر نحو 670 ألف موظف فيدرالي على إجازات قسرية غير مدفوعة، فيما يعمل 730 ألفاً آخرون دون أجر، إضافة إلى 1.3 مليون عسكري و750 ألفاً من الحرس الوطني والاحتياط يؤدون مهامهم بلا ضمانات مالية.

وحتى مطلع ديسمبر، يُتوقع أن تُحجب أكثر من 10 ملايين راتب مدني وعسكري بقيمة إجمالية تقارب 34 مليار دولار. كما تشير التقديرات إلى أن مكتب الميزانية في الكونغرس قدّر الخسائر اليومية بنحو 400 مليون دولار، بينما بلغت الخسائر الإجمالية للمجتمعات المحلية المرتبطة بالقواعد العسكرية نحو 6.5 مليارات دولار في ولاية نيوجيرسي وحدها.

وبينما حاولت الإدارة إعادة توجيه 8 مليارات دولار لتغطية الرواتب العسكرية مؤقتاً، توقفت رواتب جميع أفرع الجيش الأمريكي في 31 أكتوبر، في واقعة لم تشهدها الولايات المتحدة من قبل.

غياب البيانات وتخبط في السياسات النقدية

أحد أخطر تداعيات الإغلاق تمثّل في شل المؤسسات الإحصائية الرسمية، إذ توقف مكتب إحصاءات العمل عن جمع ونشر التقارير الاقتصادية منذ اليوم الأول للأزمة، ما أدى إلى غياب مؤشرات التضخم والبطالة ومبيعات التجزئة والناتج المحلي الإجمالي.

في ظل هذا الغياب، اتخذ الاحتياطي الفيدرالي خطوة غير مسبوقة بخفض الفائدة ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.75% – 4% في 29 أكتوبر، رغم فقدانه الأدوات التحليلية المعتادة. واعتمد المجلس في قراره على بيانات خاصة صادرة عن مؤسسة ADP التي أشارت إلى خسارة 32 ألف وظيفة في أكتوبر، واستطلاعات معهد إدارة التوريد.

لكن محللين حذروا من أن الاعتماد على بيانات الشركات الخاصة يشكل “نظرة من ثقب المفتاح”، وقد يربك الفيدرالي في تقدير توازناته بين التضخم وسوق العمل. وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن المؤسسة نفسها أنهت في أغسطس 2025 تعاونها مع الفيدرالي، ما يجعل بياناتها أقل دقة.

وتشير تقديرات تابعها بقش لمكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن الإغلاق سيتسبب في خسائر دائمة تتراوح بين 7 و14 مليار دولار لن يتمكن الاقتصاد الأمريكي من استعادتها.

كما ذكرت شركة إرنست آند يونغ أن الاقتصاد يخسر 7 مليارات دولار أسبوعياً من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة توقف الأنشطة الحكومية.

وفي تقرير لـS&P Global بتاريخ 14 أكتوبر 2025، حذرت الوكالة من أن استمرار الإغلاق يجبر صناع القرار على تعديل أسعار الفائدة دون بيانات دقيقة، ويؤدي إلى تأجيل رواتب الموظفين وتراجع إنفاق المستهلكين وتعطيل إجراءات المحاكم والتجارة الخاصة، فضلاً عن إغلاق المتنزهات العامة وتعطيل تراخيص الأنشطة الاقتصادية، بما يعمّق الأثر الاجتماعي للأزمة.

ورغم تصاعد التحذيرات من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، لا تلوح في الأفق بوادر حل قريب، فقد صرح السيناتور الجمهوري جون كينيدي قائلاً: “ما أراه هو عدم وجود مخرج”، فيما يرى محللون أن الأزمة تتطلب تدخلاً مباشراً من ترامب لإبرام تسوية حول إعانات “أوباما كير”، إلا أن الرئيس ما زال يرفض أي تنازل، بينما يتمسك الديمقراطيون بعدم التصويت لإعادة فتح الحكومة دون ضمانات لتلك الإعانات.


زر الذهاب إلى الأعلى