تهديد جديد من ترامب.. واشنطن تتباكى على المحتجين في إيران بعد هندستها للأزمة الاقتصادية هناك

تقارير | بقش
لم تأتِ تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل «لمساعدة المحتجين» في إيران من فراغ، بل ظهرت في لحظة انفجار اجتماعي غذّته سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية. خطابٌ يقدّم نفسه بوصفه دفاعاً عن المدنيين، لكنه يتجاهل عمداً الدور المركزي لواشنطن في صناعة البيئة التي دفعت هؤلاء المدنيين إلى الشارع.
الولايات المتحدة، التي تتحدث اليوم عن حق الإيرانيين في الاحتجاج، هي ذاتها التي صمّمت منظومة عقوبات متشابكة هدفت صراحة إلى شلّ الاقتصاد الإيراني، وتجفيف موارده، وضرب عملته، وإخراجه من أي مسار تنفّس مالي طبيعي. ومع كل حزمة عقوبات جديدة، كانت الكلفة تُنقل من المؤسسات إلى المجتمع، ومن الدولة إلى المواطن.
المفارقة الصارخة أن واشنطن تتعامل مع نتائج سياساتها كما لو كانت أحداثاً مستقلة، فتدين العنف عند انفجاره، وتلوّح بالتدخل، من دون أي اعتراف بأن الأزمة المعيشية التي تشعل الاحتجاجات هي نتاج مباشر للحصار الاقتصادي الغربي، لا حادثاً داخلياً معزولاً.
في هذا السياق، لا يمكن فهم التصعيد الكلامي لترامب إلا كجزء من مدرسة أمريكية قديمة: خنق الاقتصاد أولاً، انتظار الانفجار الاجتماعي ثانياً، ثم توظيف الغضب الشعبي سياسياً تحت لافتة إنسانية انتقائية.
وقدّم ترامب تهديده بلهجة إنسانية، محذراً من إطلاق النار على المتظاهرين، ومعلناً أن الولايات المتحدة «جاهزة للتحرك» وفق اطلاع مرصد بقش. غير أن هذا الخطاب يتجاهل أن واشنطن نفسها شاركت قبل أشهر في ضرب منشآت إيرانية، وساهمت في رفع منسوب التوتر الأمني والعسكري داخل البلاد.
الخطاب الأمريكي يفصل عمداً بين الفعل والنتيجة: فهو يدين استخدام القوة داخل إيران، لكنه يتغاضى عن حقيقة أن العقوبات الاقتصادية الشاملة تُعد شكلاً من أشكال العنف غير المباشر، لأنها تضرب الغذاء، والدواء، والدخل، والاستقرار الاجتماعي.
هذا النمط ليس جديداً؛ فقد استخدمته واشنطن مراراً في دول أخرى، حيث جرى تقديم العقوبات كأداة «ضغط ذكية»، بينما كانت آثارها واقعية وقاسية على المجتمعات، ثم جرى لاحقاً استثمار التدهور الاجتماعي كدليل على «فشل النظام».
الخطاب الإنساني هنا ليس إلا أداة سياسية، تُستخدم عندما تخدم أهداف واشنطن، وتُسحب عندما تتعارض مع مصالحها، وهو ما يفسّر الصمت الأمريكي تجاه قمع احتجاجات في دول حليفة لا تخضع للعقوبات.
العقوبات بوصفها المحرّك البنيوي للاحتجاجات
الاحتجاجات الأخيرة في إيران اندلعت على خلفية تضخم تجاوز 36%، وتراجع حاد في قيمة الريال حسب متابعات بقش، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة. هذه المؤشرات لا يمكن قراءتها بعيداً عن سياق العقوبات المالية والنقدية المفروضة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.
العقوبات الأمريكية لم تستهدف فقط صادرات النفط، بل ضربت النظام المصرفي، ومنعت الوصول إلى الاحتياطيات، وقيّدت التجارة، وأغلقت قنوات الاستثمار، ما جعل أي سياسة اقتصادية داخلية تعمل في بيئة مختنقة مسبقاً.
ومع كل محاولة إصلاح، كانت النتائج تنقلب على صانعيها بسبب غياب الأدوات الطبيعية للاقتصاد، وهو ما حوّل التضخم من ظاهرة دورية إلى أزمة بنيوية، يتحمّل عبئها المواطن لا صانع القرار.
رغم ذلك، تصرّ واشنطن على توصيف الاحتجاجات باعتبارها دليلاً على «سوء إدارة داخلية»، متجاهلة أن الأزمة الاقتصادية صُنعت خارجياً، ثم أُعيد توظيفها داخلياً لأهداف سياسية.
تغيير الأنظمة بنسخة اقتصادية ناعمة
تهديد ترامب بالتدخل «لمساعدة المحتجين» يعكس تحوّلاً في أدوات تغيير الأنظمة، لا في جوهرها. فبدلاً من الغزو العسكري المباشر، باتت العقوبات، والحصار، والضغط الاقتصادي أدوات أساسية لإضعاف الدول من الداخل.
هذا النموذج يقوم على فرض اختناق اقتصادي طويل الأمد، ثم انتظار تحوّل الغضب الاجتماعي إلى أزمة سياسية، مع تقديم الدعم الإعلامي والسياسي الخارجي عندما تبلغ الاحتجاجات ذروتها.
في الحالة الإيرانية، يتقاطع هذا النهج مع سياق إقليمي أوسع، يشمل الضغط على حلفاء طهران، وإعادة ترتيب موازين القوى، ومحاولة فرض وقائع جديدة بالقوة الاقتصادية بدلاً من العسكرية.
وهكذا، تتحول المطالب المعيشية المحقة إلى أوراق في لعبة جيوسياسية، حيث لا تكون معاناة الناس أولوية، بل وسيلة ضغط قابلة للتوظيف.
اقتصاد مُنهك وسقف اجتماعي قابل للانفجار
تعترف السلطات الإيرانية بوجود أزمة اقتصادية، وتحاول تقديم خطاب تصالحي ووعود بالحوار، وفق التقارير التي طالعها بقش، لكن قدرتها على المناورة تبقى محدودة في ظل حصار يمنع أي سياسة إصلاحية من العمل بفاعلية.
تحرير بعض آليات سوق العملة، على سبيل المثال، لم يكن خطوة خاطئة بحد ذاتها، لكنه جاء في اقتصاد معزول، ما أدى إلى تسارع انهيار الريال بدلاً من استقراره، وزاد الضغط على الشرائح الأضعف.
في ظل هذا الواقع، تصبح الاحتجاجات نتيجة منطقية لا مفاجئة، لكنها لا تعكس بالضرورة استعداد المجتمع لتبنّي مسار سياسي ترعاه قوى خارجية، كما تحاول واشنطن الإيحاء.
ومع ذلك، تصر الولايات المتحدة على التعامل مع الأزمة بوصفها فرصة، لا مأساة، ما يعمّق الشكوك حول نواياها الحقيقية.
تكشف التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة ما زالت أسيرة نموذج قديم: تصنع الأزمة عبر العقوبات، ثم تعود لتدين نتائجها، وتلوّح بالتدخل بوصفه حلاً. نموذج أثبت مراراً أنه يزيد الأزمات تعقيداً بدلاً من حلّها.
الاحتجاجات في إيران ليست انفصالاً عن السياق الدولي، بل نتيجة مباشرة لحرب اقتصادية طويلة الأمد، صُممت لإضعاف الدولة عبر إنهاك المجتمع. ومع ذلك، تواصل واشنطن تقديم نفسها كطرف أخلاقي يقف إلى جانب «الشعوب».
في المحصلة، ما يجري اليوم يفضح مفارقة جوهرية: الطرف الذي يخنق الاقتصاد هو نفسه الذي يطالب بحق الناس في الاحتجاج على الاختناق. وبين الفعل والخطاب، يتكرّس نموذج أمريكي لا يغيّر الأنظمة بقدر ما يغيّر مصائر الشعوب، تاركاً لها ثمن السياسات التي لم تخترها.


