محاولة لاحتواء صدمة أسعار الوقود في أمريكا.. واشنطن تضطر لتخفيف قيود النقل البحري

الاقتصاد العالمي | بقش
في خطوة استثنائية لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، قررت إدارة ترامب تعليق العمل بقانون “جونز” مؤقتاً لمدة 60 يوماً، بما يسمح للسفن الأجنبية بنقل النفط والغاز والسلع بين الموانئ الأمريكية، في محاولة لتقليل تكاليف النقل واحتواء تداعيات اضطراب الأسواق بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ويُعد قانون “جونز” (قانون الملاحة) الذي يعود إلى عام 1920، أحد أهم التشريعات المنظمة للنقل البحري داخل الولايات المتحدة وفق قراءة بقش، إذ يشترط أن تتم عمليات الشحن الداخلي عبر سفن أمريكية الصنع والمِلكية وتحمل العلم الأمريكي، وهو ما يرفع كلفة النقل مقارنة بالسفن الأجنبية الأقل تكلفة.
وينطبق هذا القانون على النقل البحري الداخلي للسلع والبضائع بين أي نقطتين داخل الولايات المتحدة، وهدفه المعلن هو تعزيز الأسطول البحري التجاري الأمريكي، وضمان جاهزيته في أوقات الأزمات والحروب، لكن الاقتصاديين يرون أنه يرفع تكاليف النقل والطاقة بنسبة قد تصل إلى 40%، خاصة في المناطق البعيدة مثل هاواي وألاسكا وبورتوريكو.
ولجأت الحكومة الأمريكية إلى تعليقه مؤقتاً في أوقات سابقة خلال أزمات الطاقة أو الكوارث الطبيعية، للسماح للسفن الأجنبية بنقل المواد الحيوية، مثل النفط والغاز، بهدف خفض الأسعار.
الإعفاء الجديد بأبعاد سياسية
وتراهن إدارة ترامب على أن هذا الإعفاء المؤقت الجديد سيسهم في تخفيف الاختناقات اللوجستية داخل السوق الأمريكية، خاصة في نقل النفط الخام من منطقة الخليج الأمريكي إلى مصافي الساحل الشرقي، وكذلك شحن البنزين والديزل إلى المناطق ذات الطلب المرتفع في الشمال الشرقي.
ويُتوقع أن يؤدي القرار إلى خفض تكاليف الشحن، بما قد ينعكس على أسعار الوقود، حيث تشير تقديرات سابقة تتبَّعها بقش إلى إمكانية تقليل الأسعار بنحو 10 سنتات لكل جالون في بعض المناطق الأمريكية.
وتشير متابعات بقش إلى ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 27% ليصل متوسط الجالون (3.78 لترات) إلى 3.79 دولارات في بعض الولايات، بينما صعد الديزل بنسبة 34% متجاوزاً عتبة 5 دولارات لأول مرة منذ ثلاث سنوات، بسبب إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز أمام السفن المرتبطة بأمريكا وإسرائيل.
ويشمل الإعفاء الأمريكي مجموعة واسعة من السلع المرتبطة بالطاقة، من بينها النفط الخام، والمنتجات المكررة، والغاز الطبيعي، وسوائل الغاز، إضافة إلى الفحم والأسمدة، ما يمنح مرونة أكبر في سلاسل الإمداد.
ويأتي هذا القرار في وقت اهتزت فيه أسواق النفط العالمية، بعد تعطل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو ما أثر على نحو 15 مليون برميل يومياً، وأدى إلى تقلبات حادة في الأسعار.
وفي هذا السياق، تسعى الإدارة الأمريكية، التي شنت الحرب على إيران بشكل أثار استهجان الكثير من الأمريكيين، إلى تنفيذ حزمة أوسع من الإجراءات، تشمل السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وتأمين مرور الناقلات عسكرياً، في محاولة لاحتواء الأزمة.
ورغم أهمية القرار، ترى تحليلات أن تأثيره قد يظل محدوداً مقارنة بحجم الاضطرابات العالمية في الإمدادات، التي وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ سوق النفط، كما يثير تعليق القانون جدلاً داخلياً، نظراً لمعارضة شركات بناء السفن الأمريكية وحلفائها في الكونغرس، الذين يرون أن الإعفاء، وإن كان مؤقتاً، قد يضعف الصناعة البحرية الأمريكية.
ويحمل القرار أيضاً أبعاداً سياسية، مع تصاعد الضغوط الداخلية على إدارة ترامب لاحتواء التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، فضلاً عن تراجع شعبية ترامب في أوساط الأمريكيين وفق آخر استطلاعات الرأي التي تناولها بقش في وقت سابق من مارس الجاري.
في الوقت ذاته، ترى واشنطن أن الخطوة ضرورية لضمان تدفق إمدادات الطاقة إلى المنشآت والقواعد العسكرية، وتفادي أي نقص قد يؤثر على العمليات، ما يعكس تداخل البعدين الاقتصادي والأمني في إدارة الأزمة.
يعكس تعليق قانون “جونز” تحركاً سريعاً من واشنطن للتكيف مع صدمة الطاقة العالمية، عبر تخفيف القيود الداخلية وتحسين كفاءة النقل، إلا أن فعاليته تبقى مرهونة بتطورات الأزمة الأكبر في أسواق النفط العالمية، والتي تتجاوز حدود المعالجات المؤقتة.


