محاولة للخروج عن النص الأمريكي.. أوروبا تراهن على قوتها الاقتصادية للاستقلال

الاقتصاد العالمي | بقش
في مواجهة النبرة الأمريكية المتشددة تجاه أوروبا – منذ عودة ترامب إلى الرئاسة في يناير 2025 – شرع الاتحاد الأوروبي في إعادة هندسة موقعه الاقتصادي والاستراتيجي، من خلال السعي إلى تقليص الارتهان لأمريكا وأيضاً للصين، وبناء قاعدة ذاتية أكثر تماسكاً في المال والتجارة والتكنولوجيا والدفاع.
وتشير أحدث التقارير إلى بروز محور قيادي جديد، منذ العام الماضي، داخل الاتحاد الأوروبي، أعاد توزيع الثقل السياسين، فقد عززت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين موقعها التنفيذي، مستفيدة من شبكة تحالفات داخلية، من بينها الدور المتنامي لرئيسة الوزراء الدنماركية ميتا فريدركسن داخل مجلس القادة الأوروبيين.
في المقابل، خفت الحضور الفرنسي نسبياً رغم استمرار الرئيس إيمانويل ماكرون في الترويج لفكرة “الاستقلال الاستراتيجي” عن واشنطن حسب متابعات بقش، كما لعب المستشار الألماني فريدريش ميرتس دوراً بارزاً منذ توليه منصبه قبل عام، دافعاً نحو خطاب أكثر وضوحاً بشأن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، خصوصاً بعد التوترات التي أعقبت كلمة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر ميونخ للأمن، وما تلاها من أزمات دبلوماسية وصولاً إلى ما عُرف بـ”لحظة غرينلاند” التي عمّقت الفجوة السياسية بين ضفتي الأطلسي.
وانعكست هذه التبدلات السياسية بشكل مباشر على آليات اتخاذ القرار، إذ بات البرلمان الأوروبي أكثر حضوراً في الملفات الاقتصادية الكبرى، بينما تحولت المفوضية إلى ما يشبه جهازاً تنفيذياً متماسكاً مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بتعدد مراكز القرار.
إعادة توجيه البوصلة التجارية
اقتصادياً، اختار الاتحاد توسيع شبكة شركائه بدلاً من الاكتفاء بالسوق الأمريكية، فوفق تتبُّع بقش دُفعت اتفاقيات تجارة حرة جديدة إلى الأمام مع دول في أمريكا الجنوبية والهند والمكسيك وعدد من الاقتصادات الآسيوية، في مسعى لتنويع الأسواق وتعزيز الاستقرار القانوني للشركات الأوروبية.
ورغم اعتراضات داخلية، لا سيما من قطاعات زراعية فرنسية تخشى المنافسة، تم تثبيت اتفاقيات استراتيجية مع تكتلات في أمريكا الجنوبية، مع التشديد على إدراج معايير العمل والبيئة ضمن الأطر التعاقدية.
وفي الوقت ذاته، تعزز التقارب مع كندا التي تسعى بدورها إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، فانخرطت في برامج دفاع وبحث أوروبية، ودفعت نحو تعاون أوسع مع تكتلات التجارة الحرة في المحيط الهادئ.
وفي المجال التكنولوجي، سعت أوروبا إلى تقليص هيمنة الشركات الأمريكية على فضائها الرقمي، وبرزت شركة Mistral AI الفرنسية كأحد رموز هذا التوجه في الذكاء الاصطناعي، رغم صعوبة منافسة عمالقة وادي السيليكون.
أما في ألمانيا، فتقود شركة “راينميتال” (الرائدة في الصناعات الدفاعية) مشاريع تشمل أقماراً اصطناعية عسكرية، ما يفتح المجال لتطوير بدائل أوروبية لأنظمة الاتصالات الفضائية مثل “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك، ويتكامل ذلك مع استثمارات في الطاقة المتجددة وتحديث شبكات الكهرباء والصناعات الدفاعية، بما يعزز القاعدة الصناعية ويوفر وظائف محلية في سياق يتزايد فيه مفهوم “الأمن الاقتصادي”.
إصلاحات مالية لتعزيز مكانة اليورو
على الصعيد المالي، تتجه أوروبا إلى تقليص اعتمادها على البنية التحتية الأمريكية للمدفوعات، إذ لا تزال نسبة كبيرة من المعاملات العابرة للحدود تمر عبر شبكات مثل “فيزا و”ماستر كارد”، لذلك يتقدم مشروع “اليورو الرقمي” كأحد أدوات الاستقلال النقدي حسب تقارير بقش، رغم استمرار الجدل حول نطاق تطبيقه.
وتقود رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد نقاشاً أوسع حول تعزيز الدور الدولي لليورو، الذي صمد 27 عاماً أمام أزمات مالية متلاحقة، ويُنظر إليه اليوم كأداة محتملة للحد من هيمنة الدولار في التجارة العالمية.
كما يتسارع العمل على مشروع تكامل أسواق رأس المال الأوروبية لتسهيل تمويل الشركات الناشئة والصغيرة، وتقليص تدفق المدخرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، في ظل فجوة واضحة بين القيمة السوقية لبورصات الجانبين.
وداخلياً، أطلقت المفوضية حزم إصلاح لتبسيط الإجراءات وخفض الأعباء البيروقراطية على الشركات، خصوصاً في قطاعات الصناعة والسيارات والدفاع والاستدامة. وتشير تقديرات بروكسل التي يتتبَّعها بقش إلى أن هذه الإجراءات قد توفر مليارات اليورو سنوياً، ما يعزز القدرة الاستثمارية دون التخلي عن المعايير البيئية والاجتماعية.
هذا التوجه عبّر عن تغيير في الفلسفة التشريعية الأوروبية، من التوسع في سن القواعد إلى التركيز على قياس أثرها الاقتصادي، استجابة لانتقادات طالما وُجهت إلى الاتحاد بشأن الإفراط في التنظيم.
رغم بطء اتخاذ القرار في الكيان الذي يضم 27 دولة أوروبية، بات التعدد الداخلي يُنظر إليه بوصفه ركيزة للاستقرار طويل الأمد، إذ يفرض بناء توافقات واسعة ويحول دون احتكار القرار، كما تعكس التحالفات الجديدة، مثل التقارب الألماني الإيطالي، مرونة سياسية تعزز مسار التكامل.
في الخلاصة، كان العام الماضي محطة تأسيسية لإعادة تعريف الدور الاقتصادي للقارة الأوروبية أكثر منه مجرد رد فعل أوروبي على ضغوط خارجية، فالاتحاد الأوروبي يتحرك اليوم كما يبدو لبناء منظومة أكثر استقلالاً، تتمثل في شبكة تجارية أوسع، وبنية مالية متكاملة، وقاعدة صناعية محدثة، وعملة تسعى إلى حضور عالمي أكبر.
ورغم أن الطريق ما زال طويلاً، والتحديات البنيوية تفرض نفسها، إلا أن المؤشرات توحي بأن أوروبا غادرت مربع الدفاع، متجهةً نحو مرحلة المبادرة في عالم يتسم باحتدام المنافسة بين القوى الكبرى، ساعيةً إلى تثبيت موقعها لاعباً اقتصادياً مستقلاً.


