مدريد ترفض أي انخراط في الحرب وتواجه الضغوط الأمريكية: لن نخضع لتهديدات ترامب

الاقتصاد العالمي | بقش
أظهرت إسبانيا موقفاً قوياً في مواجهة الضغوط الأمريكية، بعد تهديد الرئيس دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع مدريد بسبب رفض الحكومة الإسبانية السماح باستخدام قواعدها العسكرية لدعم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في موقفٍ عبَّر عن تمسك إسبانيا بسيادتها الوطنية ورفضها الخضوع للابتزاز السياسي الخارجي.
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أكد، في تصريحات تابعها “بقش” الأربعاء، أن إسبانيا لن تخضع للتهديدات أو التوجيهات الأمريكية التي تتعارض مع قيمها ومصالحها الوطنية، مشدداً على أن الحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران تمثل تدخلاً غير مبرر وخطيراً خارج إطار القانون الدولي.
وقال سانشيز: “لن نكون شركاء في أمر يضر بالعالم لمجرد الخوف من انتقام أحد”، مؤكداً أن موقف بلاده يعكس التزام إسبانيا بالمبادئ الإنسانية والدبلوماسية الدولية، ومقاومتها لأي ضغوط تمس سيادتها.
كما قال سانشيز إن الحكومة ترفض استخدام قواعدها العسكرية في جنوب البلاد لدعم الهجمات على إيران، لأن ذلك يشكل انتهاكاً للاتفاقيات القائمة بشأن استخدام المنشآت العسكرية الإسبانية، مؤكداً أن أي مشاركة في الحرب على إيران ستخالف القانون الدولي وسياسات الدولة الإسبانية القائمة على الدفاع عن مصالحها وقيمها.
التهديد الأمريكي
كان ترامب هدد الثلاثاء بقطع “كل التعاملات التجارية” مع إسبانيا، موجّهاً وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بالعمل على إيقاف جميع العمليات التجارية بين أمريكا وإسبانيا. وفي وقت لاحق، ألمح إلى إمكانية فرض حظر كامل على السلع الإسبانية، رغم عدم توضيح آلية التنفيذ العملية لهذا التهديد.
جاء ذلك في سياق استمرار التوتر بين مدريد وواشنطن على خلفية رفض إسبانيا المشاركة في الحرب الأمريكية، إضافةً إلى خلافات سابقة بين الطرفين بشأن الإنفاق الدفاعي ومطالب واشنطن بزيادة مساهمة إسبانيا في النفقات العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
ورغم التهديدات الأمريكية، لم يتأثر المؤشر الرئيسي للأسهم الإسبانية (Ibex 35) بشكل ملحوظ، في حين سجلت السندات الإسبانية انخفاضاً طفيفاً مع اتساع الفارق بينها وبين السندات الألمانية الأكثر أماناً حسب متابعة بقش، ما يعكس ثقة الأسواق جزئياً في قدرة الحكومة الإسبانية على إدارة الأزمة والحد من أي تأثير محتمل على الاقتصاد الوطني.
بدورها، المفوضية الأوروبية (الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي) أكدت على ضرورة احترام الالتزامات التجارية الدولية، مشيرةً إلى استعدادها للتحرك عند الضرورة لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي، وقُرِئ هذا الدعم كمؤشر على صلابة الموقف الإسباني، إذ تعزز مدريد موقفها من خلال تأكيد أن أي إجراءات عقابية أمريكية يجب أن تراعي الاتفاقيات الأوروبية المشتركة.
موقف مدروس وخطة لتعزيز الاقتصاد
في مواجهة التهديدات المحتملة، تعمل الحكومة الإسبانية على دراسة حزمة تدابير دعم للشركات والعمال المتأثرين بهذا الخلاف، بهدف تخفيف التداعيات الاقتصادية المحتملة. وتشمل هذه الخطوات تأمين سلسلة التوريد، ودعم الصادرات، وتعويض الشركات التي قد تتأثر بأي إغلاق محتمل للتجارة مع الولايات المتحدة.
وتشير البيانات التي جمعها بقش إلى أن حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وإسبانيا يبلغ نحو 46.8 مليار يورو (54.4 مليار دولار)، مع تسجيل عجز تجاري إسباني مقداره 13.4 مليار يورو (15.5 مليار دولار)، ما يجعل أي تهديد أمريكي بقطع التجارة خطوة معقدة على المستوى العملي، وبذلك يظهر موقف إسبانيا على أنه قائم على تقييم واقعي للتحديات الاقتصادية، لا لمجرد المواجهة السياسية للتهديدات.
وتشير تحليلات إلى أن الموقف يعكس قدرة إسبانيا على الصمود أمام محاولات الابتزاز السياسي والاقتصادي، ويعزز مكانتها كلاعب مستقل في السياسة الأوروبية والعالمية، وذلك بالتوازي مع الدعوات الإسبانية للاتحاد الأوروبي للتنديد بالحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران. في الوقت ذاته، يرسل الموقف الإسباني رسالة عالمية مفادها أن السيادة الوطنية والمصالح الاقتصادية لا يمكن التنازل عنها تحت ضغط التهديدات، وأن الالتزام بالقوانين يبقى معياراً رئيسياً.


