تقارير
أخر الأخبار

مع آمال إنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ أمريكا.. قطاع الطيران الأمريكي سيبقى في شلل

تقارير | بقش

رغم تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على مشروع قانون ينهي أطول إغلاق حكومي فيدرالي في تاريخ أمريكا، إلا أن آثار هذا الإغلاق ستستمر في إلقاء ظلالها الثقيلة على قطاع الطيران الأمريكي وحركة النقل الجوي، وعلى ثقة العاملين والمستثمرين في قدرة المؤسسات الفيدرالية على الصمود أمام التجاذبات السياسية.

فبعد أسابيع من الشلل الجزئي الذي أصاب قطاعات حيوية في البلاد، حذّر وزير النقل الأمريكي “شون دافي” في أحدث تصريحاته التي تابعها “بقش”، من أنّ إنهاء الإغلاق لا يعني عودة الأمور إلى طبيعتها فوراً، مؤكداً أن “عودة المراقبين الجويين إلى مواقعهم واستعادة الجدولة التشغيلية تحتاج إلى وقت، وربما إلى أشهر، قبل أن تعود حركة الطيران إلى انسيابها المعتاد”.

وحسب متابعات بقش، تفاعلت الأسواق العالمية منذ مساء أمس الثلاثاء بشكل إيجابي مع التوصل لاتفاق لانهاء الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي يصوّت عليه الكونغرس اليوم الأربعاء، بعد التوصل إلى اتفاق يضع حداً لتوقف عمل الحكومة الفيدرالية منذ 01 أكتوبر 2025.

وصعدت الأسهم العالمية في الأسواق الآسيوية والأوروبية، فيما أشارت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية إلى افتتاح إيجابي في وول ستريت، بينما ارتفع مؤشر “نيكاي” للأسهم اليابانية الممتازة وسوق الأسهم الآسيوية الأوسع بنحو 0.4. ورجّحت صحيفة “وول ستريت جورنال” في عددها اليوم الأربعاء أن تشهد الأسواق الأمريكية يوماً ساخناً يتقدمه سباق أسعار الذهب والفضة.

اضطرابات الرحلات مستمرة رغم انتهاء الإغلاق

منذ اندلاع أزمة الإغلاق في الأول من أكتوبر الماضي، واجهت شركات الطيران الأمريكية حالة غير مسبوقة من الاضطراب، حيث أُلغيت آلاف الرحلات وأُربكت خطط ملايين المسافرين. وأوضحت بيانات رصدها بقش من شركة Cirium المتخصصة في تتبُّع الرحلات أن أكثر من 5% من الرحلات المجدولة أُلغيت يوم أمس الثلاثاء، رغم انتهاء الإغلاق، بانخفاض طفيف عن معدلات الأيام السابقة التي تجاوزت 10%.

وترجع هذه الاضطرابات إلى نقص حاد في أعداد مراقبي الحركة الجوية الذين اضطروا للعمل دون رواتب خلال فترة الإغلاق، ما دفع بعضهم إلى البحث عن وظائف مؤقتة لتغطية نفقاتهم. وأكدت نقابة مراقبي الحركة الجوية الوطنية أن استعادة الجاهزية الكاملة لهذا القطاع قد تستغرق نحو شهرين ونصف على الأقل، كما حدث خلال إغلاق عام 2019.

وأكدت شركة “الخطوط الجوية الأمريكية” أن أكثر من 5 ملايين مسافر تأثروا بشكل مباشر منذ بدء الأزمة، في حين اضطرت شركات الطيران إلى إعادة جدولة آلاف الرحلات وتكبد خسائر تشغيلية باهظة، ناهيك عن الأثر السلبي على سمعتها وثقة الركاب.

ووفقاً لمنظمة “خطوط جوية من أجل أمريكا”، فإن استئناف الرحلات بكامل طاقتها التشغيلية لن يكون فورياً، إذ يحتاج القطاع إلى “فترة تعافٍ” لاستيعاب الارتباك في الجداول ولتعويض النقص في القوى العاملة، خصوصاً مع اقتراب موسم السفر في عيد الشكر الذي يُعدّ من أكثر المواسم ازدحاماً في العام.

ولم تقتصر التداعيات على الجانب التشغيلي فقط، بل انعكست أيضاً على الأداء الاقتصادي لشركات الطيران والمطارات والموردين، في وقت تستعد فيه البلاد لموسم شحن مكثف قبل عطلة نهاية العام.

ومن أبرز مظاهر الأزمة أن الإغلاق سرّع وتيرة تقاعد المراقبين الجويين، إذ ارتفع عدد المتقاعدين إلى ما بين 15 و20 مراقباً يومياً مقارنة بأربعة فقط قبل الأزمة، وفق تصريحات وزير النقل دافي، الذي أشار إلى أن البلاد تعاني حالياً عجزاً يقارب ألفي مراقب جوي، وهو ما يُعد تهديداً مباشراً لسلامة وكفاءة قطاع الطيران في الولايات المتحدة.

ويحذر الخبراء من أن هذه الأزمة ستجعل عملية التوظيف والتدريب أكثر صعوبة، إذ تتطلب فترة إعداد المراقب الجديد ما لا يقل عن عامين من التدريب المكثف، مما يعني أن آثار الإغلاق ستستمر طويلاً حتى بعد إعادة فتح الحكومة.

توتر سياسي يتجاوز حدود الطيران

على الصعيد السياسي، أضافت تصريحات الرئيس دونالد ترامب مزيداً من التوتر إلى المشهد، بعد تهديده بخصم رواتب المراقبين المتغيبين ومكافأة الملتزمين بمبالغ تصل إلى 10 آلاف دولار.

وزاد هذا الخطاب من حدة الاحتقان داخل قطاع الطيران، الذي يعاني أساساً من ضغط نفسي واقتصادي شديد.

في المقابل، دعت اتحادات الطيران إلى التوقف عن “تحميل العاملين أعباء الإغلاق السياسي”، مطالبةً الكونغرس بتوفير تمويل مستقر وطويل الأمد لوزارة النقل لتحديث أنظمة المراقبة الجوية وتوظيف المزيد من الكفاءات.

وأكد تحالف “السماء الحديثة”، الذي يضم كبرى شركات الطيران والمطارات وشركات التصنيع مثل بوينغ وجنرال إلكتريك، أن “الإغلاق الحكومي عطّل العمل على برامج التحديث، وأبطأ الزخم القوي الذي بُني خلال السنوات الأخيرة”، محذّراً من أن تكرار مثل هذه الأزمات قد يهدد مكانة الولايات المتحدة كأكبر سوق طيران في العالم.

تداعيات اقتصادية أوسع بعد الإغلاق

ولم يكن قطاع الطيران وحده المتضرر من هذا الإغلاق الطويل، فقد أثّر توقف صرف الرواتب الفيدرالية على ملايين الموظفين الأمريكيين، وأدى إلى انكماش الإنفاق الاستهلاكي وتراجع ثقة المستهلكين في الأسواق، كما تكبّدت قطاعات السياحة والفنادق والمطاعم خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تراجع حركة السفر الداخلي والخارجي، وقُدّرت الخسائر حتى الآن وفق اطلاع بقش بـ55 مليار دولار.

ورغم الترحيب الواسع بإنهاء الإغلاق، ترى تقارير اقتصادية أن التعافي الكامل يتطلب استقراراً سياسياً طويل الأمد يضمن استمرارية التمويل الحكومي دون ابتزاز أو مساومات حزبية، فكل إغلاق جديد لا يجمد الاقتصاد فحسب، بل يضعف أيضاً مصداقية الحكومة أمام المستثمرين والأسواق العالمية.

وكشفت أزمة الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ أمريكا عن هشاشة البنية الإدارية الأمريكية أمام الصراعات السياسية، وبيّنت أن تكلفة تعطيل الحكومة تتجاوز الخسائر الاقتصادية المباشرة إلى ضرب الثقة المؤسسية وإرباك قطاعات حيوية.

ومن المتوقع أن ينعكس استمرار الاضطرابات في الطيران على سلاسل الإمداد والشحن الجوي حسب قراءة بقش للتحليلات، ما قد يضغط على أسعار السلع خلال موسم الأعياد. كما أن تأخر تحديث أنظمة المراقبة الجوية سيؤخر خطط التحول الرقمي في القطاع، ويزيد اعتماد الشركات على حلول مؤقتة قد لا تضمن الكفاءة والسلامة.

وفي المحصلة، لن يؤدي إنهاء الإغلاق إلى انتهاء الأزمة، بل يمثّل بداية مرحلة جديدة من إعادة الترميم البطيء لقطاع الطيران والنقل والبيروقراطية الفيدرالية ككل، في انتظار اختبار سياسي جديد قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر إذا لم تُعالج الأسباب الجذرية لهذا الشلل الدوري.

زر الذهاب إلى الأعلى