الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

بين وفرة الأمطار ومخاطر الطوفان: اليمن يرتقب موسم أمطار غزيرة خلال 2026

الاقتصاد اليمني | بقش

يواجه القطاع الزراعي في اليمن خلال الفترة من مارس إلى مايو 2026 حالة من “الارتباك المناخي” الذي يمزج بين فرص الانتعاش ومخاطر الكوارث الطبيعية. فوفقاً لأحدث نشرة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، يتأهب اليمن لموسم أمطار يتسم بالعنف في الهطول والتفاوت الجغرافي الحاد، حيث من المتوقع أن تصل الأمطار إلى ذروتها في مارس بمعدل يلامس 150 ملم.

هذا المشهد يضع المزارع اليمني أمام تحدي استغلال المياه المتوفرة من جهة، ومواجهة احتمالات جرف التربة والفيضانات المفاجئة التي تهدد مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة من جهة أخرى.

وتشير التوقعات إلى أن الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة سيلعب دوراً إيجابياً في تقليل مخاطر “الصقيع” التي أهلكت المحاصيل في المرتفعات خلال الأشهر الماضية، إلا أن هذا التحسن الحراري يقابله اضطراب في توزيع الأمطار.

فبينما ستشهد السواحل الغربية والجنوبية والمنحدرات الشرقية فائضاً مطرياً يصل إلى 50% فوق المعدل، ستعاني مناطق حيوية في المرتفعات الجنوبية الغربية وشمال البلاد من عجز مطري يصل إلى 40%. هذا التباين يخلق فجوة في الإنتاجية الزراعية بين المناطق، ويفرض ضغوطاً إضافية على المزارعين في المناطق التي ستعاني من شح الأمطار.

التقرير الأممي لا يحذر من مجرد “طقس سيئ”، بل يستشرف أزمة سبل عيش قد تتفاقم إذا لم يتم التعامل مع التنبؤات بجدية. فالموسم الحالي يتزامن مع ذروة الأنشطة الزراعية لزراعة الحبوب والخضراوات، وتحسن المراعي التي تعتمد عليها الثروة الحيوانية، إضافة إلى نشاط الصيد الحرفي.

ومع ذلك، فإن هشاشة البنية التحتية الزراعية والقيود الاقتصادية تجعل من هذه العوامل الجوية محركات محتملة لزيادة انعدام الأمن الغذائي، بدلاً من أن تكون عوامل استقرار، ما لم يتم تفعيل أنظمة الإنذار المبكر بشكل كفء.

جغرافيا الخطر: 400 ألف هكتار تحت تهديد السيول

تضع البيانات الرقمية للفاو محافظة الحديدة وسهول تهامة في “عين العاصفة” خلال الأشهر القادمة، حيث تشير تحليلات التعرض للفيضانات إلى أن أكثر من 409 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية تقع في مناطق عالية الخطورة. وتتركز هذه المساحات بشكل رئيسي في مستجمعات مياه أودية “سهام، زبيد، ريماح، وسردود”، حيث تستحوذ الحديدة وحدها على 65% من هذه الأراضي المهددة.

هذا التمركز للخطورة في سلة غذاء اليمن يعني أن أي فيضان مفاجئ قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة تتجاوز قدرة القطاع الزراعي على التعافي السريع.

ولا تتوقف المخاطر عند حدود الحقول، بل تمتد لتضرب العصب الحيوي لفقراء الريف: “الثروة الحيوانية”. إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 1.7 مليون رأس من الأغنام والماعز ترعى في مناطق مهددة بالفيضانات والسيول الجارفة، خاصة في حوض “وادي زبيد” الذي يظهر أعلى نسبة تعرض للمخاطر.

وبجانب خطر الغرق، فإن الرطوبة العالية المرافقة للأمطار الغزيرة تمهد لانتشار الطفيليات والأوبئة بين الماشية، مما يهدد بتآكل رأس مال آلاف الأسر الريفية التي تعتمد على الإنتاج الحيواني كمصدر دخل وحيد.

علاوة على ذلك، فإن الأمطار الغزيرة في المناطق الساحلية والشرقية قد تخلق بيئة مثالية لنشاط الجراد الصحراوي، وهو الكابوس الذي يخشاه المزارعون دائماً. إن تداخل مخاطر الفيضانات مع احتمال تآكل التربة وتفشي الآفات يضع الأودية اليمنية الكبرى أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود. فبدلاً من أن تكون هذه الأودية مصدراً للوفرة، قد تتحول إلى قنوات لنقل الدمار للمحاصيل القائمة والبنية التحتية للري، ما لم يتم البدء فوراً في تطهير القنوات وتدعيم الجدران الحمائية.

معضلة الأمن الغذائي: وفرة الأمطار لا تملأ المخازن

رغم الآمال المعقودة على تحسن إنتاج المحاصيل والمراعي بفضل الأمطار في بعض المناطق، إلا أن (الفاو) تطلق تحذيراً واقعياً مفاده أن هذه “المكاسب المحلية” لن تكون كافية لترميم الفجوة الواسعة في الأمن الغذائي اليمني. فالأزمة في اليمن ليست أزمة إنتاج فحسب، بل هي أزمة “وصول” و”قدرة شرائية”.

فالنزاع المستمر، والاعتماد المفرط على الاستيراد، والقيود الاقتصادية الخانقة، تظل هي العوامل الحاسمة التي تمنع المزارع من تحويل وفرة الأمطار إلى استقرار معيشي، وتمنع المستهلك من الحصول على الغذاء بأسعار معقولة.

وتشير القراءة التحليلية للسوق إلى أن اضطراب سلاسل التوريد والقيود المفروضة على حركة السلع ستحول دون استفادة المناطق المتضررة من الفائض المحتمل في المناطق الممطرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن مخاطر الفيضانات قد تقطع الطرق الريفية الحيوية، مما يعزل المنتجين عن الأسواق ويؤدي إلى تلف المحاصيل قبل وصولها للمستهلكين.

هذا “الانفصام” بين التحسن المناخي والواقع الاقتصادي يؤكد أن معالجة الجوع في اليمن تتطلب ما هو أكثر من مجرد موسم مطير؛ تتطلب استقراراً في السياسات السعرية ودعماً مباشراً لمدخلات الإنتاج.

لذلك، تبرز الحاجة الملحة الآن، وأكثر من أي وقت مضى، لتبني استراتيجيات “الزراعة المقاومة للمناخ” وتحسين إدارة الموارد المائية المتاحة. كما أن استثمار الموارد في ترميم السدود الصغيرة وحصاد مياه الأمطار، بالتوازي مع تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، هو السبيل الوحيد لتحويل تهديد الفيضانات إلى فرصة للري التكميلي.

زر الذهاب إلى الأعلى