
الاقتصاد العالمي | بقش
مع بداية 2026 تشهد العلاقات الصينية اليابانية منعطفاً حساساً تتحول فيه أدوات التجارة إلى وسائل ضغط جيوسياسي مباشرة، فخلال أيام قليلة، تتابعت قرارات وتصريحات من بكين وطوكيو عكست انتقال الخلاف من مستوى التوجس السياسي إلى مرحلة اختبار القوة الاقتصادية المتبادلة، في ظل بيئة دولية متوترة أصلًا بفعل النزاعات التجارية العالمية.
الشرارة الأبرز تمثلت في قرار تابعه مرصد “بقش” من وزارة التجارة الصينية، بفرض حظر على تصدير المنتجات ذات الاستخدام المزدوج إلى المستخدمين النهائيين العسكريين في اليابان، وكذلك أي منتجات يمكن أن تعزز القدرات الدفاعية اليابانية.
ورغم أن نطاق الحظر يبدو محدوداً تقنياً، فإن دلالته السياسية عميقة، إذ يعكس قلق بكين المتصاعد من احتمال تدخل ياباني في أي تطور عسكري يتعلق بتايوان.
وجاء هذا الإجراء، الذي وُصف بالمفاجئ، في سياق غضب صيني متراكم على خلفية تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي، التي ألمحت في نوفمبر الماضي إلى إمكانية نشر الجيش الياباني إذا استخدمت الصين القوة للاستيلاء على تايوان، ومن هنا بدا الحظر الصيني رسالة ردع مبكرة، أكثر منه خطوة اقتصادية بحتة.
مخاطر حرب تجارية تتجاوز الأثر الفوري
رغم أن الآثار الاقتصادية المباشرة للحظر قد تكون قابلة للاحتواء في المدى القصير، بسبب ضيق نطاق المنتجات المشمولة، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمالات التصعيد المتبادل، فالتجربة السابقة تشير إلى أن المناوشات التجارية بين القوى الكبرى نادراً ما تبقى محدودة، وغالباً ما تتوسع لتصيب سلاسل التوريد الإقليمية، خصوصاً في آسيا التي تعتمد على تشابك صناعي وتجاري كثيف بين الصين واليابان.
وتملك بكين ترسانة واسعة من أدوات الضغط الاقتصادي، لا تقتصر على القيود التجارية التقليدية، بل تشمل أيضًا حظر السياحة، والتضييق الثقافي، والأهم هو التحكم في صادرات العناصر الأرضية النادرة، وهي مادة حيوية للصناعات المتقدمة.
ونقلت صحيفة “تشاينا ديلي” الرسمية أن الصين تدرس بالفعل تشديد تراخيص تصدير العناصر الأرضية النادرة المتوسطة والثقيلة إلى اليابان، ما يعيد إلى الأذهان سابقة عام 2010 حين استخدمت بكين السلاح ذاته ضد طوكيو.
وعلى الرغم من محاولات اليابان تنويع مصادرها خلال السنوات الأخيرة، فإن اعتمادها على الصين في مجال العناصر الأرضية النادرة لا يزال مرتفعاً، ما يجعلها عرضة للضغط في هذا القطاع الاستراتيجي.
ويُضاف إلى ذلك أن القيود الصينية الحالية على صادرات هذه المواد قائمة منذ فترة، ولها بالفعل آثار خطيرة على سلاسل الإمداد العالمية، حسب اعتراف رسمي ياباني.
وأكدت تقارير صحفية اطلع عليها “بقش” أن بكين بدأت تقليص صادرات العناصر الأرضية النادرة ومغناطيساتها إلى اليابان، ما عزز المخاوف من انتقال التوتر إلى مرحلة خنق صناعي تدريجي.
اليابان ليست بلا أوراق ضغط
في المقابل، لا تبدو اليابان طرفاً عاجزاً في هذه المعادلة، فهي ثاني أكبر سوق للصين، حيث اشترت سلعاً صينية بقيمة 144 مليار دولار خلال عام 2025 حتى نهاية نوفمبر وفق الأرقام التي راجعها بقش، ما يمثل 4.2% من إجمالي صادرات بكين، وتكتسب السوق اليابانية أهمية مضاعفة للصين في ظل احتدام التوترات التجارية العالمية وتراجع انفتاح بعض الأسواق الغربية.
كما أن اليابان ثالث أكبر مورد للسلع إلى الصين، إذ تمثل صادراتها نحو 6.3% من إجمالي الواردات الصينية خلال الفترة نفسها، وتتركز هذه الصادرات في الآلات والمعدات الإلكترونية، التي تشكل وحدها حوالي 52% من شحنات اليابان إلى السوق الصينية.
الأخطر من ذلك بالنسبة لبكين أن طوكيو تهيمن على مفاصل حيوية في صناعة أشباه الموصلات، إذ تسيطر على ما يصل إلى 90% من سوق المواد المتقدمة المقاومة للضوء، وأي قيود يابانية في هذا القطاع قد تعرقل بشكل مباشر طموحات الصين في تطوير صناعة الرقائق الإلكترونية، التي تعد إحدى نقاط ضعفها الاستراتيجية.
ووسط هذا التصعيد، طالبت اليابان الصين رسمياً بضمان سلاسة شحنات الأغذية والعناصر الأرضية النادرة، عقب تقارير تحدثت عن عرقلة بكين للتجارة في هذه السلع. وأوضح كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، مينورو كيهارا، أن بلاده تراقب التطورات عن كثب، وستتخذ “الإجراءات المناسبة” عند الحاجة.
وشدد كيهارا على أن التجارة الدولية في العناصر الأرضية النادرة يجب أن تسير بسلاسة، واصفاً ذلك بأنه أمر بالغ الأهمية، كما أشار إلى أن صادرات الأغذية اليابانية إلى الصين، بما فيها الساكي والمواد الغذائية، تواجه تأخيرات جمركية غير مبررة.
توسيع دائرة التحالفات والبعد الإقليمي
التوتر الثنائي لا يجري في فراغ، بل يتداخل مع شبكة أوسع من التحالفات. فقد أكد المسؤولون اليابانيون تزايد أهمية العلاقات مع كوريا الجنوبية، وتعزيز التعاون الثلاثي مع الولايات المتحدة، باعتباره عنصر توازن في مواجهة الضغوط الصينية.
وفي هذا السياق، من المقرر أن تلتقي تاكايشي برئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، تليها زيارة لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني إلى اليابان في منتصف يناير، في مؤشر على حراك دبلوماسي نشط لتأمين دعم سياسي أوسع.
ويُعد موقف الولايات المتحدة عاملاً حاسماً، إذ إن أي دعم علني وقوي لطوكيو قد يعيد رسم ميزان القوى مع بكين، ويفتح الباب أمام اصطفاف دولي أوسع قلق من هيمنة الصادرات الصينية على صناعاته ووظائفه.
وبالتوازي مع هذا النزاع، أعلنت الصين عن خطوة لافتة بإلغاء أو خفض استردادات ضريبية على مئات المنتجات التصديرية بدءاً من 1 أبريل، في محاولة لتهدئة مخاوف شركائها التجاريين من تدفق الصادرات الصينية.
وتشمل الإجراءات إلغاء استرداد ضريبة القيمة المضافة عن 249 منتجاً، من بينها الخلايا الشمسية وبلاط الأسقف الخزفي ومركب هيكسافلورو فوسفات الليثيوم.
كما قررت بكين خفض استرداد الضريبة على 22 منتجاً مرتبطاً بالبطاريات، مثل بطاريات أيونات الليثيوم، إلى 6% بدلاً من 9%، على أن يُلغى هذا الامتياز بالكامل اعتباراً من 01 يناير 2027.
كبح الصادرات وفائض الإنتاج
تندرج هذه الخطوات ضمن تحركات طوعية لكبح صادرات بعض السلع، في وقت لا تزال فيه التوترات مع شركاء مثل الاتحاد الأوروبي مرتفعة، رغم الهدنة الجمركية مع الولايات المتحدة.
وتشير تقارير بقش إلى أن الصين كانت فرضت سابقاً قيوداً على شحنات الصلب والسيارات الكهربائية عبر أنظمة ترخيص.
ميشيل لام، كبيرة اقتصاديي الصين الكبرى في بنك “سوسيتيه جنرال”، ترى أن هذه الإجراءات تعكس محاولة لمعالجة اختلالات الميزان التجاري، لكنها لن تكون كافية لتبديد مخاوف الشركاء، في ظل تضخم فائض الصين التجاري خلال السنوات الأخيرة.
وتعاني قطاعات صينية، أبرزها الطاقة الشمسية، من فائض طاقة إنتاجية ومنافسة سعرية حادة، وحسب شركة “تريفيوم تشاينا” الاستشارية، فإن إلغاء استردادات الضرائب قد يسرّع خروج الشركات الأضعف التي تعتمد على التصدير، ما يخفف من التخمة داخل القطاع.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يسهم تقليص هذه الإعفاءات في دعم إيرادات الحكومة الصينية التي تواجه ضغوطاً متزايدة، فقد أظهرت البيانات الرسمية أن المنافع التي حصل عليها المصدّرون ارتفعت بنسبة 5.6% على أساس سنوي لتقترب من تريليوني يوان (286 مليار دولار) خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من 2025، وهو ما يعادل نحو 8% من إجمالي الإيرادات الحكومية في تلك الفترة.
التطورات الأخيرة تكشف أن التوتر الصيني الياباني أصبح صراعاً متعدد الأبعاد، تُستخدم فيه التجارة والضرائب وسلاسل التوريد والتحالفات الإقليمية كأدوات نفوذ متبادلة، وبينما تملك بكين اليد الطولى من حيث الحجم والموارد، فإن طوكيو تحتفظ بأوراق حساسة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وفي حال انزلقت المواجهة إلى حرب تجارية شاملة، فإن الخسائر ستمتد إلى قلب الاقتصاد الآسيوي، وربما تعيد تشكيل موازين التجارة العالمية في مرحلة شديدة الهشاشة.


