الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

برميل البارود: كيف تُعيد الصدامات بين طهران و واشنطن رسم خرائط الطاقة العالمية؟

الاقتصاد العالمي | بقش

يعيش سوق النفط العالمي حالة من الترقب الحذر الذي يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث تتشابك خيوط أزمة جيوسياسية معقدة طرفاها طهران وواشنطن، مهددة بقلب موازين الطاقة الدولية رأساً على عقب. فبينما تواجه القيادة الإيرانية تحدياً خطيراً يتمثل في احتجاجات عارمة أججتها العقوبات الغربية التي حركت الانهيار الاقتصادي وأزمة العملة، تتجه الأنظار بقلق بالغ نحو ردود الفعل المحتملة التي قد تلجأ إليها السلطات، سواء عبر فرض حظر داخلي يؤثر على عمليات الإنتاج، أو تصعيد خارجي يستهدف ممرات الملاحة الحيوية كرد محتمل على أي تحرك عسكري أمريكي.

في الضفة الأخرى من المشهد، يضيف الموقف الأمريكي طبقة كثيفة من التعقيد والمخاطر، مع تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي لوح فيها بـ”خيارات قوية للغاية” تتضمن العمل العسكري وفق متابعة مرصد “بقش”، وهو ما ينقل المواجهة من خانة العقوبات الاقتصادية التقليدية إلى احتمالات الصدام المباشر. ولم يكتفِ البيت الأبيض بالتلويح بالعصا العسكرية، بل ألقى ورقة ضغط اقتصادية جديدة بتهديده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران، في خطوة تهدف إلى خنق ما تبقى من الشريان المالي للنظام الإيراني، مما يضع المستوردين الرئيسيين، وتحديداً الصين، في موقف حرج يستلزم إعادة حساباتهم الاستراتيجية.

وتكمن المعضلة الحقيقية التي تؤرق كبار الاستراتيجيين وتجار الطاقة في العالم، في احتمالية تحول مضيق هرمز من ممر مائي تعبره ربع إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً، إلى ساحة مواجهة مفتوحة. إن أي خطوة إيرانية متهورة لتقييد الملاحة في هذا المضيق، أو حتى التهديد الجدي بذلك رداً على الضغوط الأمريكية، لن تكون مجرد حدث إقليمي، بل زلزالاً اقتصادياً ستتردد ارتداداته في بورصات العالم أجمع، معيدة للأذهان أزمات الطاقة الكبرى في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، خاصة في ظل اعتماد دول كبرى منتجة ومستهلكة على استمرار التدفق الآمن عبر هذا الشريان الحيوي.

ورغم أن الأسعار الفورية لخام برنت لا تزال تحوم حول مستويات منخفضة نسبياً عند 65 دولاراً للبرميل حسب تتبُّع “بقش” بسبب وفرة المعروض العالمي في الوقت الراهن، إلا أن أسواق العقود الآجلة بدأت تلتقط إشارات الخطر، مسجلة ارتفاعات تعكس تزايد “علاوة المخاطر الجيوسياسية”. ويبدو أن المستثمرين بدأوا يدركون أن معادلة العرض والطلب التقليدية لم تعد هي المحرك الوحيد للسوق، بل بات العامل الأمني والسياسي هو اللاعب الخفي الذي قد يقفز بالأسعار إلى مستويات قياسية في حال انقطاع حبل الصبر الدبلوماسي أو حدوث خطأ في الحسابات العسكرية.

من الريادة التاريخية إلى اقتصاد الظل

شهدت صناعة النفط الإيرانية تحولات دراماتيكية عبر التاريخ، فبعد أن كانت طهران في منتصف سبعينيات القرن العشرين تتربع على عرش مصدري الطاقة بحصة تتجاوز 10% من الإنتاج العالمي، أدى تلاحق الأحداث السياسية بدءاً من ثورة 1979 وصولاً إلى العقوبات الغربية المتكررة إلى تآكل هذه المكانة بوضوح. لقد تسبب خروج الشركات الأجنبية الكبرى وغياب التكنولوجيا الحديثة ونقص الاستثمارات المزمن في تراجع القدرة الإنتاجية للحقول الإيرانية المتقادمة، مما جعل العودة إلى مستويات الذروة التاريخية حلماً بعيد المنال في ظل الظروف السياسية الراهنة.

وتُظهر البيانات الحديثة التي جمعها بقش، أن إيران، التي تمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، لا تساهم اليوم سوى بنحو 3% من الإمدادات العالمية، بإنتاج يراوح عند 3.3 مليون برميل يومياً. ورغم محاولات الحكومة الإيرانية إنعاش القطاع بعد الاتفاق النووي في 2015، إلا أن انسحاب إدارة ترمب الأولى في 2018 وإعادة فرض العقوبات الصارمة “حملة الضغوط القصوى” وجهت ضربة قاصمة لخطط التحديث، مما أجبر طهران على الاعتماد على حلول ترقيعية للحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاج والصادرات لضمان بقاء الاقتصاد على قيد الحياة.

في ظل هذا الحصار، طورت طهران شبكة معقدة وغير شفافة لتصدير نفطها بعيداً عن أعين الرقابة الدولية، معتمدة على ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، وهو مجموعة من الناقلات القديمة التي تعمل غالباً بأسماء وهمية وتقوم بإغلاق أجهزة التتبع لتنفيذ عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر. هذه الآلية، وإن كانت توفر منفذاً لتصريف الخام، إلا أنها تأتي بتكلفة عالية ومخاطر بيئية ولوجستية كبيرة، فضلاً عن اضطرار إيران لبيع نفطها بخصومات سعرية هائلة لجذب المشترين المغامرين، مما يقلل العوائد المالية الحقيقية التي تدخل الخزينة العامة.

ومع ذلك، تظل عائدات النفط هي الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الإيراني المنهك، حيث تشير تقديرات “بلومبيرغ” إلى أن طهران حققت نحو 2.7 مليار دولار في شهر نوفمبر الماضي وحده وفق قراءة بقش، رغم العقوبات والخصومات السعرية. هذا الاعتماد المفرط على النفط يجعل من أي اضطراب في الإنتاج نتيجة للاحتجاجات الداخلية، أو أي تشديد في الحصار الخارجي، بمثابة تهديد وجودي للنظام، حيث تؤدي قلة الموارد المالية إلى عجز الحكومة عن دعم العملة أو توفير السلع الأساسية، مما يغذي بدوره دائرة الغضب الشعبي ويوسع رقعة الاحتجاجات.

المحور الصيني ومعادلة الرسوم العقابية الجديدة

تمثل الصين الركيزة الأساسية لاستراتيجية البقاء الإيرانية، حيث تشير البيانات الصادرة عن شركات تتبع السفن مثل “كبلر” (Kpler) إلى أن بكين تستحوذ على ما يقارب 90% من صادرات النفط الخام الإيراني. وتذهب هذه الشحنات بشكل رئيسي إلى المصافي المستقلة الصغيرة في مقاطعة شاندونغ، والمعروفة بـ “أباريق الشاي”، التي تجد في النفط الإيراني الرخيص فرصة لتعظيم هوامش أرباحها في ظل ارتفاع تكاليف الخامات الأخرى، متجاهلة العقوبات الغربية عبر وسطاء وشبكات مالية معقدة تتجاوز النظام المصرفي الأمريكي.

لكن هذه الديناميكية المستقرة نسبياً باتت مهددة اليوم بدخول متغير جديد وخطير، يتمثل في تهديد الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية عقابية بنسبة 25% على واردات الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران. هذا التهديد يضع بكين أمام خيارات صعبة؛ فبينما تستفيد من النفط الرخيص، فإن خسارة جزء من سوق صادراتها الضخم إلى الولايات المتحدة بسبب الرسوم قد تكون تكلفته أعلى بكثير من وفورات شراء النفط الإيراني، مما قد يدفع صناع القرار في الصين إلى تقليص وارداتهم من طهران أو الضغط عليها سياسياً لتجنب الصدام مع واشنطن.

وإذا ما قررت الصين أو غيرها من المشترين القلائل المتبقين (مثل سوريا) الخضوع للتهديدات الأمريكية وتقليص المشتريات، فإن طهران ستواجه معضلة “تخمة المخزون” في ظل عدم وجود مشترين بديلين، مما سيجبرها قسرياً على خفض الإنتاج وإغلاق الآبار. هذا السيناريو سيؤدي إلى سحب ما يقارب 1.5 إلى 2 مليون برميل يومياً من السوق العالمية، وهو ما سيحدث صدمة في جانب العرض، خاصة إذا لم تقم دول “أوبك+” الأخرى، وتحديداً السعودية والإمارات، بتعويض هذا النقص بسرعة وكفاءة للحفاظ على توازن السوق.

علاوة على ذلك، يمتد أثر هذه السياسات العقابية ليشمل شركاء تجاريين آخرين مثل الهند وتركيا، الذين، وإن كانوا قد قلصوا مشترياتهم النفطية المباشرة من إيران، إلا أنهم يحتفظون بعلاقات تجارية متنوعة معها. إن شمولية التهديد الأمريكي بفرض الرسوم على أي دولة “تتعامل تجارياً” تخلق حالة من عدم اليقين القانوني والاقتصادي، مما قد يدفع الشركات والبنوك في هذه الدول إلى “الامتثال المفرط” وقطع كافة العلاقات مع طهران تحسباً للعقوبات، مما يزيد من عزلة إيران الاقتصادية ويدفع قيادتها نحو خيارات أكثر تطرفاً ويأساً.

كابوس مضيق هرمز: سيناريوهات الخنق البحري

يظل مضيق هرمز هو الورقة الأكثر خطورة في لعبة البوكر الجيوسياسية هذه، فهو ليس مجرد ممر مائي، بل هو الشريان الأورطي للاقتصاد العالمي، حيث يعبره يومياً نحو 16.5 مليون برميل من النفط، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القطري. وأي تعطيل لهذا الممر، سواء عبر إغلاق كامل وهو السيناريو الأسوأ والأقل احتمالاً، أو عبر مضايقات عسكرية وزرع ألغام بحرية، سيؤدي فوراً إلى شلل في سلاسل التوريد العالمية وقفزات جنونية في أسعار الطاقة والتأمين البحري، كما حدث في حوادث سابقة أقل حدة.

تدرك دول الخليج المجاورة خطورة هذا الاعتماد، وقد سعت السعودية والإمارات لتطوير بدائل استراتيجية لتجاوز المضيق. فالسعودية تمتلك خط أنابيب “شرق-غرب” بطاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً لنقل النفط إلى البحر الأحمر، بينما تمتلك الإمارات خط أنابيب يصب في ميناء الفجيرة على خليج عمان. ومع ذلك، فإن الطاقة الاستيعابية لهذه الخطوط لا تزال غير كافية لنقل كامل الصادرات الخليجية، مما يعني أن جزءاً كبيراً من النفط السعودي والعراقي والكويتي والإماراتي سيظل رهينة لأي توتر أمني يحدث في هرمز.

تاريخياً، هددت إيران مراراً بإغلاق المضيق رداً على محاولات تصفير صادراتها النفطية، معتبرة أنه “إذا لم تصدّر إيران نفطها، فلن يصدّر أحد نفطه من المنطقة”. ورغم أن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة، ممثلاً بالأسطول الخامس، يجعل الإغلاق الفعلي والعسكري الكامل للمضيق أمراً صعباً ومكلفاً جداً لطهران، إلا أن القدرات غير المتكافئة لإيران (الزوارق السريعة، الطائرات المسيرة، الصواريخ الساحلية) قادرة على إحداث فوضى عارمة وتعطيل حركة الملاحة التجارية بشكل يرفع تكاليف الشحن والتأمين لمستويات فلكية.

وفي سيناريو التصعيد الحالي، ومع تلويح واشنطن بعمل عسكري، قد تجد طهران نفسها محشورة في الزاوية، مما قد يدفع الحرس الثوري إلى تنفيذ عمليات رد تستهدف الناقلات أو المنشآت النفطية في المنطقة، بهدف إيصال رسائل سياسية ورفع تكلفة الحرب على الغرب وحلفائه. وقد أثبتت تجارب سابقة، مثل الهجمات على الناقلات في 2019، أن مجرد الشك في سلامة الممر المائي كفيل بإحداث هزات عنيفة في الأسواق، فكيف الحال إذا ترافق ذلك مع غليان داخلي في إيران ونوايا هجومية أمريكية معلنة؟

في المحصلة، يجد سوق النفط نفسه اليوم محاصراً بين مطرقة الاضطرابات الداخلية في إيران التي تهدد استمرارية الإنتاج، وسندان الضغوط الأمريكية الخارجية التي تهدد بخنق قنوات التصدير وإشعال فتيل مواجهة عسكرية. إن التداخل بين هذه العوامل يخلق بيئة شديدة التقلب، حيث لم تعد البيانات الأساسية للعرض والطلب كافية وحدها لتفسير حركة الأسعار أو التنبؤ بمسارها المستقبلي، إذ بات “الحدث السياسي” هو المحرك الأول والأقوى للمؤشرات.

السيناريو الذي يحذر منه الخبراء ليس مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار، بل هو إعادة تشكيل محتملة لخريطة تجارة الطاقة العالمية. فإذا نجحت العقوبات والرسوم الأمريكية في عزل إيران تماماً، وإذا ردت طهران بتصعيد عسكري في المضيق، فإن العالم قد يواجه صدمة نفطية قد تدفع الأسعار نحو حاجز الـ100 دولار أو أكثر حسب قراءة بقش، وهو ما سيجهض جهود السيطرة على التضخم في الاقتصادات الكبرى ويعقد حسابات البنوك المركزية حول العالم.

ومع ذلك، تبقى هناك نافذة ضيقة للدبلوماسية أو لاحتواء الموقف، تعتمد بشكل كبير على مدى قدرة الأطراف الفاعلة، وخصوصاً واشنطن وبكين، على إدارة صراع المصالح دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. ولكن حتى تتضح الرؤية، سيظل كل برميل نفط يمر عبر الخليج العربي محملاً ليس فقط بتكلفة استخراجه، بل بعبء ثقيل من المخاطر الجيوسياسية التي قد تنفجر في أية لحظة.

زر الذهاب إلى الأعلى