مليارات مهدورة وتدهور إنساني لا يتوقف.. اليمن بين فجوة التمويل الأممي والأموال مجهولة المصير

الاقتصاد اليمني | بقش
مع تراكم الأزمات وتداخل العوامل الاقتصادية والإنسانية والسياسية، يقف اليمن مع بداية عام 2026 أمام لحظة قاتمة تتشابك فيها الفجوات التمويلية والاحتياجات الإنسانية الآخذة في الاتساع، مع تراجع حاد في فعالية الاستجابة الدولية.
فعلى الرغم من أن اليمن يُصنَّف كثالث أسوأ أزمة إنسانية في العالم، تشير أحدث بيانات “الأمم المتحدة” إلى أن المنظمة لم تموَّل سوى بنحو 27.8% من إجمالي التمويل المطلوب لخطتها الإنسانية في اليمن لعام 2025، وهو أسوأ مستوى تمويل تشهده البلاد خلال السنوات العشر الماضية.
وحتى نهاية ديسمبر 2025، وصلت الأموال المستلمة إلى 687.9 مليون دولار من أصل 2.48 مليار دولار كانت مطلوبة، ما خلّف فجوة تمويلية ضخمة بلغت 1.79 مليار دولار، أي أكثر من 72% من الاحتياجات، وفق اطلاع مرصد “بقش” على البيانات.
وتعتقد الأمم المتحدة أن هذا التراجع الحاد في التمويل ينعكس على حياة ملايين اليمنيين، إذ اضطرت وكالات أممية ومنظمات دولية إلى إغلاق برامج حيوية، وحرمان أعداد واسعة من السكان من المساعدات المنقذة للحياة، بما في ذلك برنامج الأغذية العالمي الذي أوقف عملياته في مناطق حكومة صنعاء.
والمفارقة أن أدنى تمويل سابق سُجّل في عام 2023 بنسبة 40.9% حسب مراجعات “بقش”، فيما بلغ التمويل ذروته في عام 2019 بنسبة 86.9%، في وقت كانت فيه الاحتياجات أقل مما هي عليه اليوم.
وتتصدر الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول التي تراجعت عن تمويل الأمم المتحدة في اليمن، حيث أنهت واشنطن مساعداتها في فبراير 2025، بعد أن كانت الأمم المتحدة تحصل على 700 مليون دولار سنوياً من واشنطن وحدها لتمويل العمليات في اليمن.
وتشير بيانات جمعها “بقش” إلى أن التمويل الذي قدمته أمريكا في اليمن تجاوَزَ 7 مليارات دولار خلال الفترة (2015 – 2025)، وهو ما وضع أسئلة حول تفاصيل هذه التمويلات -الأمريكية والدولية- ومصيرها والجهات التي تسلَّمتها والنتائج التي حققتها أنشطة الأمم المتحدة، في الوقت الذي تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية في البلاد عاماً بعد آخر على نحو غير مسبوق.
التمويل لعام 2026: خطة غير واضحة
في ديسمبر، طلبت الأمم المتحدة تمويلاً دولياً لعمليات اليمن لعام 2026 بقيمة 2.5 مليار دولار (نفس مستوى التمويل المطلوب عام 2025)، وقالت إن 23.1 مليون يمني (نحو ثلثي السكان) سيحتاجون إلى مساعدات منقذة للحياة، لكن المبلغ المطلوب سيموّل خطة لن تصل إلا إلى أقل من نصف هذا العدد.
حيث إن خطة الاستجابة الأممية لعام 2026 لن تستهدف سوى 10.5 ملايين شخص في اليمن، وستركز على الجوانب الأشد إلحاحاً مثل منع المجاعة وعلاج سوء التغذية واحتواء تفشي الأمراض خصوصاً في المناطق النائية.
لكن هذه الخطة، رغم ضخامتها المالية، لا تحمل مؤشرات واضحة على تحسّن فعلي في الوضع الإنساني خلال عام 2026، بقدر ما تعكس محاولة لإدارة الانهيار بأدوات محدودة وموارد شحيحة.
وعلى مدى السنوات الماضية شهدت البلاد معاناةً هائلة، وخسائر في الأرواح ونزوحاً واسع النطاق، و”متاعب لا ينبغي لأي شعب أن يضطر لتحمّلها” وفقاً للأمم المتحدة، مشيرةً إلى أن نحو 52% من السكان في اليمن يعانون الآن من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 41 ألف شخص يواجهون خطر المجاعة المباشرة.
المنظمة ترى أن عام 2026 يجب أن يكون عاماً لإنهاء دوّامات الأزمات المتعاقبة، عبر دعم اليمنيين لإعادة بناء مستقبلٍ مرن ومستدام يزخر بالفرص الاقتصادية.
غير أنها لم توضح آليات تقديم هذا الدعم والخطط المطروحة لإعادة بناء المستقبل والفرص الاقتصادية، كما لم توضح آليات أنشطتها خلال 2026 في الوقت الذي توقفت فيه البرامج الإغاثية في مناطق واسعة في اليمن، تشمل المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء. وما هو واضح حتى الآن أنّ رقعة الاحتياجات مرشّحة للامتداد بشكل غير مسبوق خلال العام الجديد.
وفي غضون ذلك، يرجح اقتصاديون أن الدعم المالي خلال 2026 قد يكون متقطعاً على غرار التمويل المقدّم في العام الماضي، مشيرين إلى أن النفقات التشغيلية للمنظمات والوكالات الأممية تستحوذ على جزء كبير من التمويل الدولي الذي بات زهيداً، فضلاً عن عدم الوضوح الكلي بشأن مصير التمويلات، وكلها عوامل تجعل خطط الأمم المتحدة غير ذات جدوى، نظراً لعدم تحقق النتائج المطلوبة على مسار تحسن الوضع الإنساني.
وجاءت دعوة الأمم المتحدة لتقديم 2.5 مليار دولار هذا العام في الوقت الذي تقول فيه إن عملياتها تواجه قيوداً متصاعدة، خصوصاً في مناطق سيطرة حكومة صنعاء التي ضاعفت إجراءاتها ضد أنشطة الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، وصولاً إلى اقتحام مكاتب أممية ومصادرة أصولها وإغلاقها واحتجاز موظفين، ما أدى إلى توقف برامج أساسية، أبرزها برنامج الأغذية العالمي الذي كان يوفر مساعدات لنحو 13 مليون يمني، وفق المنظمة.
الجوع في ذروته.. واليمن ضمن الأسوأ عالمياً
برنامج الغذاء العالمي وضع اليمن ضمن ست دول فقط شهدت مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الخامسة) خلال عام 2025.
ووفق تقرير للبرنامج اطلع عليه “بقش”، يواجه 41 ألف شخص أوضاعَ جوع تهدد حياتهم وتتطلب تدخلاً فورياً لإنقاذهم، في بلد بات فيه 80% من السكان (البالغ عددهم 35.6 مليون نسمة) يعتمدون على المساعدات الإنسانية.
ذلك يأتي في سياق عالمي قاتم، حيث يعاني 318 مليون شخص من الجوع الحاد في 68 دولة، لكن هشاشة الوضع في اليمن تجعل أي تقليص إضافي في التمويل سبباً مباشراً لانزلاق آلاف الأسر إلى مستويات أكثر خطورة من الجوع وسوء التغذية.
ويعاني 2.5 مليون طفل دون الخامسة، و1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة، من سوء التغذية الحاد، وسط تراجع كبير في برامج التغذية والدعم الغذائي خلال الأشهر الماضية. كما يواجه 8.41 ملايين شخص صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، ويعيش 15 مليوناً في ظل انعدام الأمن المائي، بينما يُحرم 17.4 مليون يمني من خدمات الصرف الصحي والنظافة.
يُضاف إلى ذلك أكثر من 16 مليون شخص بحاجة إلى خدمات الحماية، بينهم 4.7 ملايين نازح داخلياً موزعون على مئات المخيمات ومواقع النزوح، إلى جانب 6.2 ملايين شخص، معظمهم من النساء والفتيات، يحتاجون إلى خدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
أسئلة بلا إجابات
بينما تبرز تساؤلات متزايدة حول مصير التمويلات الدولية التي أُعلنت لليمن، تبقى علامات الاستفهام تدور أيضاً حول الفجوة بين الأرقام المعلنة على الورق، والواقع الإنساني المتدهور على الأرض، بما في ذلك طبيعة الجهات المستفيدة، ومخصصات القطاعات المختلفة، وتفاصيل المشاريع والأنشطة التي تُنفّذ تنفيذها.
ورغم أن الأمم المتحدة تعهدت بمواصلة الوقوف إلى جانب الشعب اليمني، قائلةً إن أولوياتها تظل إنقاذ الأرواح ودعم الانتقال من الأزمات إلى حلول تنموية مستدامة، فإن الواقع يشير إلى معضلة بنيوية أعمق، دون أن ترافق النداءات التمويلية المتجددة مؤشرات حقيقية على تحسن الوضع أو على قدرة النظام الإنساني القائم على كسر حلقة الاعتماد المزمن على المساعدات.
ومع استمرار الصراع، وتدهور الاقتصاد، وقيود العمل الإنساني، وتراجع ثقة المانحين، وعلامات الاستفهام حول مصير التمويلات وما حققته، يبدو اليمن عالقاً في حلقة مفرغة تدور حول تضخم الاحتياجات وتقلص التمويلات وإدارة الاستجابات بأدوات الطوارئ، فيما يظل ملايين اليمنيين على حافة الجوع والحرمان، بانتظار وعود دولية لم تعد تكفي لإنقاذ واقع يزداد انهياراً عاماً بعد آخر.


