الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

من الحقول إلى الناقلات.. الصدمة تتعمّق في أسواق الطاقة

الاقتصاد العالمي | بقش

الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية تزداد مع اتساع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إذ بدأت آثارها تظهر في تعطل صادرات النفط والغاز من الشرق الأوسط وتراجع الإنتاج في عدد من الدول المنتجة، ووفق تقرير اطلع عليه “بقش” لوكالة “رويترز”، أدى التصعيد العسكري إلى وقف أو تقليص الإنتاج في عدة دول خليجية، بينما يترقب محللون احتمال انضمام منتجين كبار آخرين إلى موجة التخفيضات مع استمرار تعطل التصدير عبر مضيق هرمز.

وحسب التقرير، أعلنت مؤسسة البترول الكويتية في 07 مارس خفض إنتاج النفط وإعلان حالة القوة القاهرة بعد توقف الصادرات عبر مضيق هرمز، وهو ما يعكس حجم التأثير المباشر للأزمة على قدرة الدول المنتجة على إيصال الخام إلى الأسواق العالمية. وفي الإمارات، قالت شركة بترول أبوظبي “أدنوك” إنها تدير مستويات الإنتاج في الحقول البحرية بهدف الحفاظ على “المرونة التشغيلية”، وذلك في ظل المخاطر الأمنية المتزايدة. كما اندلع حريق في ميناء “الفجيرة”، وهو أحد أهم مراكز تخزين النفط وتزويد السفن بالوقود عالمياً، نتيجة سقوط حطام مرتبط بالهجمات.

أما العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة “أوبك”، فقد خفض إنتاجه بنحو 1.5 مليون برميل يومياً بسبب محدودية القدرة التخزينية وعدم توفر منافذ للتصدير. ونقلت رويترز عن مسؤولين عراقيين تحذيرهم من أن التخفيض قد يصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال أيام إذا استمر تعطل الصادرات. وفي البيانات التي جمعها بقش، يبلغ إنتاج العراق نحو 4.1 مليون برميل يومياً وفق مسح أجرته الوكالة، أي ما يعادل نحو 4% من الإنتاج العالمي. كما أوقفت شركات عدة عمليات الإنتاج في بعض حقول إقليم كردستان العراق بشكل احترازي، علماً أن الإقليم كان يصدر نحو 200 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب إلى تركيا خلال فبراير المنصرم.

وفي قطاع الغاز، توقفت عمليات إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر منذ الثاني من مارس، مما أثر على عدد من أكبر منشآت الغاز في العالم وعلى مصدر يزود الأسواق بنحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية. كما أوقفت شركة “قطر للطاقة” جزءاً من عمليات التكرير في اليوم التالي حسب متابعة بقش، قبل أن تعلن في الرابع من مارس حالة القوة القاهرة على شحنات الغاز المسال.

كما شهدت السعودية اضطرابات في قطاع التكرير، إذ أوقفت الإنتاج في مصفاة رأس تنورة التي تبلغ طاقتها 550 ألف برميل يومياً، وبدأت بالفعل بإعادة توجيه شحنات النفط الخام من الموانئ الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وأفادت وزارة الدفاع السعودية بأن المصفاة تعرضت لهجوم آخر في الرابع من مارس دون تسجيل أضرار.

وامتدت الاضطرابات إلى أطراف أخرى في المنطقة، حيث قلصت إسرائيل جزءاً من إنتاجها من النفط والغاز. كما نقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن الحرس الثوري الإيراني قوله إنه استهدف مصفاة نفط إسرائيلية رداً على هجوم طال مصفاة إيرانية في طهران، بينما دوت صفارات الإنذار في منطقة حيفا دون تسجيل أضرار.

شلل حركة الشحن

في موازاة اضطرابات الإنتاج، تضررت حركة الشحن بشكل كبير، خصوصاً مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وحسب رويترز، هاجمت إيران ما لا يقل عن خمس سفن في المنطقة، بينما أعلن مسؤول في الحرس الثوري في الثاني من مارس إغلاق المضيق محذراً من إحراق أي سفينة تحاول العبور. كما أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن الحرس الثوري استهدف ناقلة ترفع علم جزر مارشال في المضيق.

هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية سجّلت عدة هجمات على السفن منذ بداية مارس وفق بياناتها التي يتابعها بقش، من بينها ناقلة نفط قبالة الكويت وسفينة حاويات في مضيق هرمز، ومع تصاعد المخاطر الأمنية بدأت شركات تأمين بحري كبرى إلغاء تغطية مخاطر الحرب للسفن العاملة في المياه الإيرانية والخليجية والمناطق المجاورة وفقاً لرويترز.

في المقابل، أعلن ترامب أن البحرية الأمريكية يمكنها مرافقة ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز، كما وجه مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية لتقديم ضمانات مالية وخدمات تأمين ضد المخاطر السياسية للتجارة البحرية في الخليج، غير أن ملاك السفن والمحللين ما زالوا يشككون في كفاية هذه الإجراءات لضمان عودة الملاحة إلى طبيعتها.

وأكدت دراسة لبنك “جيه بي مورغان” الأمريكي أن هناك فجوة مالية هائلة بقيمة 198 مليار دولار تعرقل خطة ترامب لتأمين ناقلات النفط في مضيق هرمز، حيث تتطلب تغطية 329 ناقلة نحو 352 مليار دولار، بينما لا تملك مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية سوى 154 ملياراً متاحة للتعبئة.

هذه الاضطرابات تنعكس بالفعل على الأسواق العالمية. الصين بدأت تقليص عمليات التكرير وإغلاق بعض الوحدات أو تقديم مواعيد الصيانة بسبب نقص تدفق النفط الخام، كما سعت الهند إلى مصادر بديلة للنفط والغاز المسال وعلى رأسها موارد الطاقة الروسية، متحديةً الضغوط الأمريكية. وأمام ضغوط الأسواق، رضخت واشنطن للأمر الواقع وأصدرت ترخيصاً مؤقتاً لمدة 30 يوماً يسمح للمصافي الهندية بشراء النفط الروسي المحمل على السفن قبل 05 مارس، على أن تنتهي صلاحية الترخيص في 04 أبريل، وذلك للتخفيف من ضغوط الأسواق العالمية.

أما إندونيسيا فتخطط لزيادة وارداتها من النفط الخام الأمريكي لتعويض نقص الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، ومع ذلك يشير متعاملون في السوق إلى أن البدائل المتاحة من البرازيل وغرب أفريقيا والولايات المتحدة تحتاج أكثر من شهر للوصول إلى آسيا، فضلاً عن أنها أكثر تكلفة في ظل ارتفاع أسعار الشحن.

أمام هذه التطورات يواجه سوق الطاقة العالمي مرحلة من عدم اليقين، إذ إن استمرار تعطل الإمدادات عبر الخليج يهدد بتقلص المعروض العالمي من النفط والغاز وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، الأمر الذي يضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد إذا لم يتم احتواء الأزمة وتلافي مزيد من التصعيد.

زر الذهاب إلى الأعلى