من السيارات الفارهة إلى مصانع الصواريخ.. الحرب على إيران تزلزل صناعة السيارات

الاقتصاد العالمي | بقش
في لحظة واحدة انهار التوازن الهش الذي كانت تعتمد عليه صناعة السيارات الفاخرة في الشرق الأوسط، وتحولت المنطقة من جنة للأرباح إلى ساحة قلق واضطراب، لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن شركات سيارات عريقة تخطط لمغادرة عالم الرفاهية إلى “صناعة الحرب”.
وتشير أحدث متابعات “بقش” إلى أن الشرق الأوسط، خصوصاً الخليج، كان واحداً من أكثر الأسواق ربحية لشركات السيارات الفاخرة، ورغم أن مساهمته في حجم المبيعات العالمية لا تتجاوز 10%، إلا أن هوامش الربح فيه كانت استثنائية، بفضل ثقافة “التفصيل حسب الطلب” التي ترفع أسعار السيارات إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف.
شركات مثل Rolls-Royce Motor Cars وBentley Motors وFerrari وLamborghini بنت جزءاً مهماً من أرباحها على هذه السوق، حيث لا يشتري العملاء مجرد سيارة، بل قطعة فنية مصممة خصيصاً، لكن مع اندلاع الحرب تغيّر كل شيء بسرعة.
إذ أغلقت صالات عرض، وتوقفت عمليات التسليم، وتراجع الإقبال بشكل حاد، وفي دبي انخفضت حركة العملاء بنحو 30% في بعض المعارض، فيما اختفت تقريباً الطلبات على السيارات المصممة حسب الطلب، وهي الأكثر ربحية.
واللافت أن هذا التراجع لم يكن متساوياً؛ فبينما تضررت الفئة “الفاخرة التقليدية”، ظلت السيارات الخارقة جداً (بأسعار تتجاوز مليون دولار) أكثر صموداً، في مؤشر على أن شريحة “الأثرياء جداً” أقل تأثراً بالاضطرابات، لكنها أيضاً أكثر حذراً.
التغير الأهم كان نفسياً، إذ يرى تنفيذيون في قطاع السيارات الفاخرة أن الناس في الشرق الأوسط لديهم أشياء أخرى يفكرون فيها الآن غير شراء بنتلي جديدة. وحتى السلوكيات داخل السوق تغيرت، فبعض المشترين باتوا يدفعون عشرات آلاف الدولارات لنقل سياراتهم جواً خارج المنطقة، في انعكاس لمخاوف تتجاوز الاستهلاك إلى الأمن الشخصي والاستقرار.
ويأتي هذا الانكماش في توقيت بالغ الحساسية لصناعة السيارات الفاخرة، التي تعاني أصلاً من تراجع الطلب في الصين وأوروبا، وضبابية في السوق الأمريكية بسبب الرسوم الجمركية، ومع توقف أحد آخر مصادر النمو، أي الشرق الأوسط، تجد هذه الشركات نفسها أمام أزمة متعددة الجبهات.
من الرفاهية إلى الدفاع
وسط هذا التراجع، يظهر اتجاه أكثر عمقاً وخطورة، وهو انتقال بعض شركات السيارات نحو قطاع الدفاع. المثال الأبرز هو شركة “فولكسفاجن” الألمانية، التي تُجري محادثات مع شركة “رافائيل سيستمز” للأنظمة الدفاعية الإسرائيلية، لتحويل أحد مصانعها في ألمانيا إلى إنتاج مكونات منظومة القبة الحديدية.
ويُعد ذلك مؤشراً على إعادة توجيه استراتيجي للصناعة الأوروبية، فالشركة التي تواجه منافسة شرسة من الصين وتعثر التحول إلى السيارات الكهربائية، ترى في قطاع الدفاع فرصة لتعويض التراجع في الأرباح.
وتشمل الخطة وفق اطلاع بقش إنتاج شاحنات إطلاق الصواريخ ومنصات الإطلاق ومولدات الطاقة، أي إن مصنع سيارات مدنياً قد يتحول خلال أشهر إلى جزء من منظومة عسكرية متكاملة. ويتم هذا التغيير بسرعة لافتة، مع توقع بدء الإنتاج خلال 12 إلى 18 شهراً فقط، ما يعكس سهولة نسبية في تحويل خطوط الإنتاج من السيارات إلى المعدات العسكرية.
وما يجمع بين تراجع مبيعات السيارات الفاخرة في الخليج وتحول “فولكسفاجن” نحو التصنيع العسكري هو صعود “اقتصاد الحرب”، وفي هذا الاقتصاد، تتغير أولويات الإنفاق العالمي، إذ يؤجل المستهلكون الكماليات، وتزيد الحكومات الإنفاق العسكري، وتبحث الشركات عن قطاعات أكثر استقراراً وربحية.
أوروبا، على سبيل المثال، تخطط لإنفاق أكثر من 500 مليار يورو على الدفاع خلال السنوات المقبلة حسب تناولات بقش، ما يجعل القطاع العسكري أكثر جاذبية من أي وقت مضى. وفي المقابل، تتقلص هوامش النمو في قطاع السيارات، خاصة الفاخرة.
في المجمل، تواجه شركات السيارات الفاخرة اليوم أزمة مركبة، تتمثل في انكماش الطلب في الخليج بسبب الحرب، وتراجع الأسواق الكبرى مثل الصين وأوروبا، وضغوط تنظيمية وتجارية في الولايات المتحدة، وتحول استثماري عالمي نحو الدفاع، وهذا المزيج يدفع بعض الشركات إلى التفكير حتى في خفض الإنتاج، وهو قرار كان حتى وقت قريب غير مطروح في قطاع يعتمد على الندرة والطلب المرتفع.
ورغم قتامة المشهد، فإن هذه السوق تاريخياً مرنة وقادرة على التعافي السريع، لكن ما يحدث الآن قد يترك أثراً طويل الأمد على سلوك المستهلكين، وعلى استراتيجيات الشركات، والأرجح أن القطاع يتجه نحو مرحلة جديدة، أقل اعتماداً على سوق واحدة، وأكثر تنوعاً في مصادر الإيرادات.


