الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

مهما كلّف الثمن.. الأثرياء يريدون الهرب من المنطقة عبر السعودية

الاقتصاد العربي | بقش

تحولت العاصمة السعودية الرياض إلى بوابة خروج رئيسية للأثرياء ورجال الأعمال الفارين من التصعيد العسكري المتسارع في الخليج، بعدما تعرضت مدن مثل دبي وأبوظبي لقصف إيراني عنيف استهدف أصولاً وقواعد أمريكية.

وخلال ساعات من الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران صباح يوم السبت، 28 فبراير، انقلبت معادلة الحركة في المنطقة، وردّت طهران بهجمات واسعة شملت إسرائيل والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعمان، ما أدخل المجال الجوي الإقليمي في حالة إغلاق واسع. ووفق المعطيات التي يتابعها “بقش”، تم إلغاء قرابة من 6,000 رحلة حول العالم، مع تسجيل تأخر نحو 30,000 رحلة إضافية، في واحدة من أكبر موجات الاضطراب الجوي منذ سنوات.

في هذا السياق، برز مطار الملك خالد الدولي في الرياض كأحد المطارات القليلة في الشرق الأوسط التي ظلت تعمل، رغم اعتراض السعودية ضربات صاروخية استهدفت المطار يوم السبت، بحسب تقارير إعلامية. ورغم الحساسية الأمنية البالغة، بقي المجال الجوي مفتوحاً، ما جعل الرياض نقطة تجمّع غير متوقعة لطائرات خاصة وتجارية تنتظر نقل التنفيذيين وعائلاتهم إلى وجهات أوروبية وغربية.

350 ألف دولار للرحلة الواحدة

وفق تصريحات رصدها “بقش”، قال “أمير ناران”، الرئيس التنفيذي لشركة الوساطة في تأجير الطائرات الخاصة “فيمانا برايفت”، إن السعودية حالياً هي “الخيار الحقيقي الوحيد” للراغبين في مغادرة المنطقة بأقل قدر ممكن من المخاطر التشغيلية.

وأشار ناران إلى أن كلفة استئجار طائرة خاصة من الرياض إلى أوروبا تصل حالياً إلى 350 ألف دولار للرحلة الواحدة، في قفزة تعكس الطلب الاستثنائي وضيق البدائل. وتُعد هذه الأسعار أعلى بكثير من المعدلات المعتادة، ما يدل على سوق مضغوط تُحدد أسعاره أولوية السرعة والأمان أكثر من اعتبارات الكلفة.

ولا يقتصر الارتفاع على الطيران الخاص، إذ شهدت أسعار تأجير سيارات الدفع الرباعي قفزات كبيرة أيضاً، مع حجز أساطيل كاملة لنقل الشخصيات المهمة عبر طرق صحراوية تستغرق نحو 10 ساعات من دبي إلى الرياض، في رحلات برية أصبحت خياراً اضطرارياً بعد تضييق الحركة الجوية في بعض المطارات الخليجية.

وفي أزمات سابقة، كان العديد من كبار التنفيذيين يتجهون جنوباً نحو سلطنة عمان باعتبارها مخرجاً آمناً، لكن هذا الخيار تلاشى بعدما قصفت إيران ناقلة نفط في مضيق هرمز، واستهدفت ميناء الدقم العماني، ما دفع الأنظار غرباً نحو وسط السعودية.

وتاريخياً، لم تكن الرياض تُصنف كملاذ أول في حالات الطوارئ الإقليمية، ففي يونيو 2020، أدت هجمات من جانب قوات صنعاء إلى إغلاق المجال الجوي حول المدينة مؤقتاً، كما شهدت المنطقة اضطرابات خلال 2011، وكذلك خلال حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025.

غير أن المشهد الحالي مختلف من حيث سرعة التحول، فخلال أقل من 24 ساعة أصبحت الرياض مركز إجلاء فعلياً للنخب المالية العالمية وأصحاب الثروات العالية، الذين شوهدوا بأعداد متزايدة في مطار العاصمة.

الوضع الأمني السعودي.. وطلبات متزايدة للهروب

التصعيد بلغ مستوى حساساً بعد تعرض السعودية لهجمات إيرانية استهدفت السفارة الأمريكية، ما أدخل المملكة مرحلة أمنية معقدة. وردّت الرياض ببيان اطلع عليه “بقش”، قالت فيه إن لها الحق في اتخاذ كافة الإجراءات، بما في ذلك “خيار الرد على العدوان”.

ورغم اعتراض ضربات صاروخية على العاصمة، ورغم استضافة المملكة لعدة قواعد عسكرية، فإنها لم تتعرض حتى الآن لكامل قوة الرد الإيراني التي طالت دولاً مجاورة، ما جعلها تبدو نقطة خروج “منطقية” نسبياً مقارنة بمدن خليجية أخرى تعرضت لقصف مباشر.

وثمة عامل إضافي عزّز من موقع الرياض كممر إجلاء، وهو تخفيف السعودية مؤخراً لمتطلبات التأشيرة، إذ بات بإمكان العديد من الجنسيات الحصول على تأشيرة عند الوصول، بدلاً من إجراءات كانت تستغرق أسابيع. ووفق الصحفي البريطاني “جيك هولدن”، لعب هذا التيسير دوراً عملياً في تسريع تدفق رجال الأعمال والعائلات الباحثة عن مخرج فوري.

من جهتها، أكدت شركات أمن دولية تابع بقش تصريحاتها، منها “ألما ريسك”، أنها تلقّت طلبات متزايدة من عائلات وأفراد وشركات ترغب في مغادرة المنطقة، سواء بدافع القلق الأمني أو لأسباب تجارية تتعلق بالحاجة إلى الحفاظ على القدرة على السفر والتحرك بحرية.

مرآة مبكرة للقلق

المشهد الراهن يعكس حقيقة أن أسواق الطيران الخاص غالباً ما تكون أول من يلتقط إشارات القلق والتحوط لدى الفئات الأكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية. فحين يقفز سعر الرحلة إلى 350 ألف دولار ولا يتراجع الطلب، فإن ذلك يعبّر عن إدراك بأن عامل الوقت قد يكون حاسماً، وأن كلفة البقاء في منطقة مضطربة قد تفوق بكثير كلفة المغادرة.

كما أن إلغاء 6,000 رحلة وتأخر 30,000 أخرى حول العالم يؤكد أن الأزمة لم تعد محلية أو إقليمية فحسب، بل باتت ذات أثر عالمي مباشر على حركة النقل الجوي وسلاسل الأعمال.

وبينما تحولت الرياض خلال أيام من مركز أعمال إقليمي إلى حلقة وصل حيوية في سوق الإجلاء الخاص، فإن هذه الديناميكية تبقى رهناً بتطورات المشهد العسكري، فيما أصبح سوق الطيران الخاص مرآة مبكّرة لحجم القلق الذي يعتري النخب الاقتصادية في زمن الأزمات.

زر الذهاب إلى الأعلى