الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

موسكو تلوّح بـ”عودة الدولار”: صفقة كبرى مع ترامب قد تغيّر قواعد الاقتصاد الحالية

الاقتصاد العالمي | بقش

كشفت وثيقة روسية داخلية عن مقترح متكامل يهدف إلى إعادة روسيا إلى نظام “التسويات بالدولار”، ضمن حزمة شراكة اقتصادية واسعة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

المقترح، الذي جرى تداوله بين كبار مسؤولي الكرملين هذا العام، يربط بين إنهاء الحرب في أوكرانيا وإطلاق مسار تعاون اقتصادي غير مسبوق بين موسكو وواشنطن.

وحسب اطلاع مرصد “بقش” على تقرير لـ”بلومبيرغ”، فإن الوثيقة تطرح سبعة مجالات رئيسية ترى موسكو أنها تمثل نقاط تقاطع محتملة بين المصالح الروسية والأمريكية، وتقدم رؤية استراتيجية قد تعيد رسم ملامح النظام المالي العالمي إذا ما كُتب لها التنفيذ.

العودة إلى الدولار: انقلاب في النهج الروسي

أبرز ما في الخطة هو اقتراح عودة روسيا إلى نظام التسويات بالدولار، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً مقارنة بالسياسة التي انتهجها الرئيس فلاديمير بوتين خلال السنوات الماضية، فمنذ ما قبل الحرب الأوكرانية في فبراير 2022، سعت موسكو إلى تقليص اعتمادها على العملة الأمريكية، في إطار توجه أوسع لتحدي الهيمنة المالية الغربية وبناء منظومات دفع بديلة، خاصة بالتعاون مع الصين والهند.

لكن العقوبات الغربية الواسعة التي فُرضت عقب اندلاع الحرب دفعت روسيا إلى تسريع هذا المسار، مع تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، وتوسيع الاعتماد على أنظمة مالية خارج نطاق الدولار.

وعليه، فإن العودة المقترحة اليوم إلى نظام الدولار تعني إعادة الارتباط بالبنية المالية التي تقودها الولايات المتحدة، والتخلي جزئياً عن استراتيجية “فك الارتباط” التي تبناها الكرملين لسنوات.

الولايات المتحدة كانت قد أشارت إلى استعدادها لرفع العقوبات على روسيا تدريجياً في حال التوصل إلى اتفاق سلام، وهو شرط أساسي لتمكين موسكو من استعادة قدرتها على التعامل الكامل بالدولار.

غير أن المذكرة الروسية تذهب أبعد من مجرد رفع العقوبات، إذ تقترح إعادة دمج روسيا في النظام المالي العالمي بترتيبات أوسع تشمل معاملات الطاقة.

سبعة محاور لشراكة اقتصادية

تتضمن الخطة الروسية وفق قراءة بقش سبعة مجالات رئيسية للتعاون، هي:

  • عقود طويلة الأجل في قطاع الطيران لتحديث الأسطول الروسي، مع احتمال مشاركة شركات أمريكية في التصنيع داخل روسيا.
  • مشاريع مشتركة في النفط والغاز الطبيعي المسال، تشمل الحقول البحرية والاحتياطيات صعبة الاستخراج، مع مراعاة استثمارات أمريكية سابقة وإتاحة استعادة خسائرها.
  • منح الشركات الأمريكية شروطاً تفضيلية للعودة إلى السوق الاستهلاكية الروسية.
  • تعاون في الطاقة النووية بما في ذلك مشاريع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
  • العودة إلى نظام التسويات بالدولار بما قد يشمل معاملات الطاقة.
  • شراكات في المواد الخام الحيوية مثل الليثيوم والنحاس والنيكل والبلاتين.
  • دعم مشترك للوقود الأحفوري على حساب ما تصفه الوثيقة بـ”الأيديولوجيا المناخية” والحلول منخفضة الانبعاثات المدعومة من أوروبا والصين.

هذه البنود تخاطب أولويات إدارة ترامب، خصوصاً في ما يتعلق بدعم الوقود الأحفوري وانتقاد التحول السريع نحو الطاقة المتجددة، فضلاً عن تعويض الشركات الأمريكية عن خسائرها السابقة في روسيا، وهو مطلب سبق أن طُرح في ملفات أخرى مثل فنزويلا.

اختبار العلاقة مع الصين

لكن التحول المقترح يضع موسكو أمام معادلة معقدة، فالصين تحولت منذ 2022 إلى شريك اقتصادي محوري لروسيا، ومورّد رئيسي للمكونات الصناعية والمواد الخام التي تعتمد عليها الصناعات العسكرية الروسية بعد إغلاق القنوات الغربية.

مسؤولون غربيون مطلعون على مضمون الوثيقة يرون، حسب اطلاع بقش على ما نقلته بلومبيرغ، أن من غير المرجح أن يمضي بوتين في اتفاق قد يُفسَّر في بكين على أنه تقويض للشراكة الاستراتيجية، فالتخلي عن مسار الابتعاد عن الدولار قد يُضعف الجهود المشتركة بين موسكو وبكين لبناء نظام مالي موازٍ.

ومع ذلك، فإن المقترح الروسي يوحي بأن الكرملين يسعى إلى استخدام ورقة الدولار لإعادة موازنة علاقاته بين الشرق والغرب، وربما لاختبار مدى استعداد واشنطن لتقديم تنازلات في ملف أوكرانيا مقابل مكاسب اقتصادية كبرى.

كما تتضمن الوثيقة وعوداً اقتصادية كبيرة قد تغري إدارة ترامب، من توسيع سوق الصرف الأجنبي الروسي وتقليل تقلبات ميزان المدفوعات، إلى تعزيز مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية وتقليص اختلالات التجارة عبر إعادة موازنة تكاليف الطاقة بين الصين والولايات المتحدة.

لكن مسؤولين غربيين يحذرون من أن بعض هذه الوعود قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وأن المقترحات قد تكون مصوغة جزئياً لتعميق الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين الداعمين لأوكرانيا.

كما يشيرون إلى أن الأرقام المطروحة على المدى الطويل قد تبدو جذابة سياسياً، لكنها تفتقر إلى ضمانات عملية.

“حزمة دميترييف” وسياق السلام

بدوره قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده رصدت عبر استخباراتها عرضاً روسياً يُعرف باسم “حزمة دميترييف”، نسبة إلى كيريل دميترييف، كبير مفاوضي الكرملين ورئيس صندوق الثروة السيادي الروسي. وأشار زيلينسكي إلى أن المفاوضات الاقتصادية الثنائية بين موسكو وواشنطن تسير بالتوازي مع محادثات السلام.

وأكد هذا الربط بين الاقتصاد والسياسة على قناعة روسية بأن أي تسوية مستدامة للحرب يجب أن تقوم على أساس مصالح اقتصادية مشتركة واسعة، تضمن لكل طرف مكاسب ملموسة.

وإذا تحققت العودة الروسية إلى نظام الدولار، فإن ذلك قد يعيد تثبيت العملة الأمريكية في موقعها المركزي، بعد سنوات من محاولات تقويض هيمنتها، كما قد يوجه رسالة إلى الأسواق العالمية بأن الضغوط الجيوسياسية، مهما بلغت، لا تُفضي بالضرورة إلى ولادة نظام مالي بديل متكامل.

لكن في المقابل، فإن أي خطوة من هذا النوع ستبقى رهينة مسار الحرب في أوكرانيا، ومواقف الحلفاء الأوروبيين، وحسابات الصين. وبين الرغبة الروسية في تخفيف العقوبات واستعادة الاستقرار المالي، والسعي الأمريكي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، يبقى مستقبل هذه الشراكة المقترحة مفتوحاً على احتمالات متعددة، قد تعيد رسم ملامح التوازن الاقتصادي العالمي في حال انتقالها من الورق إلى الواقع.

زر الذهاب إلى الأعلى