
الاقتصاد العالمي | بقش
بينما تشتد الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية، أطلق “بورج بريندي” رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي (ومقره سويسرا) تحذيراً من ثلاث فقاعات مالية محتملة تهدد استقرار الاقتصاد الدولي، مؤكداً أن العالم يقترب من مرحلة حساسة تتقاطع فيها التكنولوجيا، المال، والدَّين العام في مشهد بالغ التعقيد.
خلال زيارته إلى ساو باولو البرازيلية، أشار بريندي إلى أن العالم يجب أن يتعامل بقدرٍ عالٍ من الحذر إزاء فقاعة “العملات الرقمية”، وفقاعة “الذكاء الاصطناعي”، وفقاعة “الديون”، التي بدأت ملامحها تتشكل في ظل تضخم الأسواق المالية، وارتفاع التقييمات المبالغ فيها للشركات، وتجاهل المستثمرين للمخاطر الحقيقية المتمثلة في ارتفاع الفائدة والتضخم والاضطرابات التجارية، وفق اطلاع بقش.
ويأتي هذا التحذير في وقتٍ تشهد فيه أسهم التكنولوجيا العالمية انخفاضات حادة بعد موجة صعود قياسية خلال العامين الماضيين، ما جعل بعض المحللين يرون أن “الأسواق تلامس مستويات خطيرة من المبالغة”، بينما يرى آخرون أن ما يحدث مجرد تصحيح طبيعي بعد فترات التفاؤل المفرط.
العملات الرقمية: من اللامركزية إلى الارتباك العالمي
منذ بزوغ البيتكوين قبل أكثر من عقد، أصبحت العملات الرقمية رمزاً للحرية المالية والتطور التكنولوجي، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى أحد أكثر المجالات تقلباً ومخاطرة في الاقتصاد المعاصر.
التحذير من “فقاعة العملات الرقمية” ليس جديداً، لكنه هذه المرة يأتي في توقيت حساس، فبعد أن شهدت العملات الرقمية ارتفاعات ضخمة في 2023 و2024، تراجعت قيمتها فجأة في النصف الثاني من 2025 حتى وصلت حالياً إلى حدود 102 ألف دولار (انخفاضاً من مستواها المرتفع السابق عند أكثر من 120 ألف دولار)، مع تصاعد القيود التنظيمية وتراجع الإقبال المؤسسي.
واللافت أن هذه الفقاعة لا تقتصر على العملات وحدها، بل تمتد حسب متابعة بقش إلى سوق الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) ومنصات التمويل اللامركزي (DeFi)، التي جذبت مليارات الدولارات من المستثمرين الأفراد دون ضمانات حقيقية أو قواعد رقابية واضحة.
ويرى الاقتصاديون أن المضاربة المفرطة، وضعف الشفافية، واعتماد النظام على التوقعات المستقبلية أكثر من القيمة الحقيقية، قد تجعل من هذه السوق مرشحة لانفجار كبير يعيد إلى الأذهان فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية.
من ناحية أخرى، فإن بعض الدول التي راهنت على تبني العملات الرقمية، مثل السلفادور، تواجه اليوم صعوبات في تحقيق استقرار مالي بعد تذبذب أسعار البيتكوين، ما يثير مخاوف بشأن قدرة الأنظمة النقدية الهشة على تحمل مثل هذه المخاطر.
فقاعة الذكاء الاصطناعي: تكنولوجيا تحلق فوق قيمها الحقيقية
يُجمع خبراء اقتصاد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل الثورة التكنولوجية الأعظم في القرن الحادي والعشرين، إذ يَعِدُ بتحقيق مكاسب إنتاجية هائلة، وتحولات جذرية في أنماط العمل والإنتاج.
لكن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي حذر من أن التفاؤل المفرط بهذا القطاع قد يقود إلى فقاعة مالية مشابهة لتلك التي شهدتها أسواق التكنولوجيا في عام 2000.
فمنذ عام 2023، شهدت أسهم الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي ارتفاعات غير مسبوقة، مدفوعة بتوقعات خيالية حول الأرباح المستقبلية، بينما لا تزال نماذج الأعمال في كثير منها غير مستدامة أو حتى غير واضحة المعالم.
الأسواق تجاهلت -كما قال بريندي- مجموعة من العوامل الاقتصادية المقلقة مثل ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم المستمر والاضطرابات التجارية وفق قراءة بقش، وركّزت بدلاً من ذلك على الحلم بأن الذكاء الاصطناعي سيحول الاقتصاد العالمي إلى آلة إنتاج لا تعرف التوقف.
لكن هذا الحلم يصطدم بواقع آخر، فالتطور السريع للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فقدان ملايين الوظائف المكتبية، خصوصاً في قطاعات الخدمات، والمحاسبة، والإدارة، والصحافة، وحتى البرمجة.
وفي تصريحاته قال بريندي: “الذكاء الاصطناعي يوفر إمكان تحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة، لكنه قد يهدد أيضاً بعض الوظائف المكتبية”.
وأضاف أن التغيرات التكنولوجية الكبرى عبر التاريخ عادةً ما تقود في النهاية إلى زيادة الإنتاجية والرخاء، لكنها تخلق فترات انتقالية مليئة بالتحديات الاجتماعية، حيث تتقلص فرص العمل التقليدية قبل أن تظهر وظائف جديدة في مجالات أخرى.
ويحذر محللون من أن فقاعة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الأسعار السوقية، بل تمتد إلى الخطاب العام والإعلامي الذي يضخّم الإنجازات ويُهمّش المخاطر، الأمر الذي يخلق بيئة خصبة لتضليل المستثمرين وصنّاع القرار.
الديون: العبء الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية
ربما كانت فقاعة الديون هي الأخطر بين الفقاعات الثلاث التي أشار إليها بريندي، إذ إنها تمس البنية الأساسية للاقتصاد العالمي بأسره.
وقال بريندي إنه “منذ عام 1945، لم تكن الحكومات مثقلة بالديون كما هي الحال حالياً”، في إشارة إلى الارتفاع التاريخي لمستويات الدين العام والخاص في معظم الاقتصادات الكبرى، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين والدول النامية.
وتراكمت هذه الديون على مدى عقدين من السياسات النقدية الميسّرة، وأسعار الفائدة المنخفضة، والإنفاق الحكومي الضخم، خصوصاً خلال جائحة كورونا، حتى أصبحت بعض الدول تدفع الآن فوائد سنوية تعادل ميزانيات كاملة لقطاعات حيوية.
وتحذّر مؤسسات مالية دولية من أن ارتفاع الفوائد في الأعوام الأخيرة جعل خدمة الدين عبئاً لا يُحتمل، خصوصاً في البلدان النامية التي تقترض بالدولار، كما أن الأسواق المالية بدأت تفقد ثقتها في قدرة بعض الحكومات على الوفاء بالتزاماتها دون اللجوء إلى طباعة الأموال أو إجراءات تقشفية قاسية.
وقد يؤدي انفجار فقاعة الديون إلى انهيار في أسواق السندات، واضطرابات مصرفية، وتراجع حاد في النمو العالمي حسب تحليلات اقتصادية تتبَّعها بقش، ويخشى اقتصاديون أن يكون العالم اليوم في مرحلة تكرار لما حدث قبيل الأزمة المالية العالمية عام 2008، ولكن على نطاق أوسع وأعمق.
هدوء يسبق العاصفة
ما يوحّد هذه الفقاعات الثلاث هو نمط السلوك النفسي للمستثمرين، من حيث التفاؤل المفرط، وتجاهل المؤشرات التحذيرية، فكما حدث قبل أزمة الرهن العقاري، يتكرر المشهد اليوم في قطاعات العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي والديون السيادية، حيث يسود الشعور بأن الأسواق يمكن أن ترتفع إلى ما لا نهاية.
لكن مع تراكم العوامل السلبية، من التضخم، وارتفاع الفائدة، إلى تباطؤ النمو العالمي، يبدو أن الأسواق تعيش في حالة إنكار جماعي، وهو ما يُوصف حالياً بأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
هذا وتأتي تصريحات بورج بريندي قبل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، حيث يجتمع قادة العالم السياسيون والاقتصاديون لمناقشة التحديات العالمية.
ويُتوقع أن تتصدر هذه التحذيرات جدول أعمال المنتدى المقبل، إذ تسعى الحكومات والشركات الكبرى إلى وضع آليات توازن بين الابتكار والضبط المالي، والبحث عن سبل لتجنب انفجار أي من هذه الفقاعات الثلاث في وقتٍ متزامن.


