نجل ترامب يدخل سباق الطائرات المسيّرة.. ما دلالات استثماره في الصناعة العسكرية الإسرائيلية؟

الاقتصاد العالمي | بقش
بينما تشتبك المصالح السياسية بالاستثمارات الدفاعية، دخل “إريك ترامب”، نجل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خط الصناعات العسكرية الإسرائيلية عبر صفقة اندماج ضخمة تقدر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، تمهد لإدراج شركة إسرائيلية متخصصة في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في البورصة الأمريكية.
ووفق اطلاع “بقش” على تفاصيل الصفقة، التي أوردتها وكالة رويترز، فإن هذا التحرك الجديد يُقرأ بوصفه مؤشراً على توسع عائلة ترامب في قطاعات استراتيجية حساسة، في توقيت تشهد فيه الصناعات الدفاعية طفرة عالمية غير مسبوقة مدفوعة باستغلال الحروب الحديثة والتطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي العسكري.
صفقة الاندماج: بوابة إلى الأسواق العامة
حسب المعطيات المعلنة، تستند العملية إلى اندماج بين شركة “إكستند” الإسرائيلية المتخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة، وشركة جيه إف بي كونستراكشن هولدينغز التي تتخذ من ولاية فلوريدا مقراً لها، والهدف من الصفقة حسب قراءة بقش هو إدراج “إكستند” في سوق الأسهم عبر مسار اندماج استحواذي يتيح لها التحول إلى شركة عامة دون المرور بآلية الطرح التقليدي الطويلة.
ولا تقتصر العملية على استثمار فردي، بل تحظى بدعم من شركة “أنيوجوال ماشينز” لصناعة الطائرات المسيّرة، التي عيّنت في وقت سابق دونالد ترامب جونيور مستشاراً لها، ما يعزز حضور العائلة في قطاع التكنولوجيا الدفاعية بشكل مباشر.
ومن المتوقع استكمال عملية الاندماج خلال منتصف العام الجاري، لتدخل الشركة الإسرائيلية رسمياً إلى أسواق المال الأمريكية بقيمة سوقية كبيرة تعكس شهية المستثمرين المتزايدة لهذا القطاع.
ويأتي الاستثمار في لحظة تُعاد فيها صياغة مفهوم القوة العسكرية، فالحروب الحديثة خصوصاً الحرب في أوكرانيا، أثبتت أن الطائرات المسيّرة لم تعد أدوات مساندة، بل باتت ركناً أساسياً في إدارة المعارك، سواء في الاستطلاع أو الهجوم أو الحرب الإلكترونية.
تراجع استخدام الطائرات المقاتلة التقليدية قرب خطوط المواجهة بسبب كثافة أنظمة الدفاع الجوي، فتح المجال أمام المسيّرات الرخيصة نسبياً والأكثر مرونة، وهذا التحول غيّر أولويات وزارات الدفاع حول العالم، وعلى رأسها وزارة الدفاع الأمريكية، التي أصبحت من أكبر المشترين لأنظمة الطائرات المسيّرة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي القتالي.
وحتى منتصف 2025، كانت أنظمة “إكستند” المزودة بتقنيات ذكاء اصطناعي تُستخدم من قبل جهات دفاعية في الولايات المتحدة وأوروبا وسنغافورة وبريطانيا، إضافة إلى الجيش الإسرائيلي، ما يمنح الشركة موقعاً متقدماً في سوق عالمي يشهد سباقاً محموماً.
ويُنظر أنّ ما يميز هذا القطاع اليوم ليس فقط تصنيع الطائرات المسيّرة، بل دمجها بأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات شبه مستقلة، وتحليل البيانات الميدانية لحظياً، وتحسين دقة الاستهداف وتقليل الحاجة إلى العنصر البشري المباشر.
وادي السيليكون، الذي كان يوماً مركزاً لتطبيقات التواصل والترفيه، تحول خلال السنوات الأخيرة إلى بيئة خصبة لشركات التكنولوجيا الدفاعية الناشئة، إذ تضاعفت الاستثمارات في هذا المجال مدفوعةً بعقود حكومية ضخمة وبمخاوف جيوسياسية متزايدة.
لذا فإن دخول إريك ترامب إلى هذا المجال يعني ربط رأس المال السياسي بالعوائد المتوقعة من سباق التسلح التكنولوجي، خصوصاً أن الطائرات المسيّرة باتت تُعد من أكثر المنتجات طلباً في المشتريات العسكرية الأمريكية.
عائلة ترامب وتوسيع النفوذ الاقتصادي
ترتبط هذه الصفقة بالمسار الأوسع لتوسعات عائلة ترامب الاستثمارية منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، فالعائلة -التي توصَف أحياناً بأنها أضفت على سيطرتها في أمريكا طابعاً شبه مَلَكي- نشطت في مجالات التكنولوجيا الرقمية والعملات المشفرة، وحققت مبيعات ضخمة قُدرت بنحو 800 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الماضي فقط وفق بيانات تتبَّعها بقش.
ويعكس التوجه نحو قطاع الدفاع انتقالاً من الاستثمار في الاقتصاد الرقمي إلى الاستثمار في الاقتصاد الأمني، إدراكاً بأن الإنفاق العسكري العالمي يشهد تصاعداً مستمراً، مدفوعاً باضطرابات جيوسياسية تمتد من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط.
وإلى جانب البعد الاقتصادي، تحمل الخطوة أبعاداً سياسية حساسة، فالاستثمار في شركة إسرائيلية دفاعية في ظل تصاعد النزاعات الإقليمية يثير تساؤلات حول تقاطع المصالح بين السياسة الخارجية الأمريكية والمصالح الاستثمارية لعائلة الرئيس.
صناعة مربحة في زمن الاضطراب
تُظهر المؤشرات أن الصناعات الدفاعية باتت من أكثر القطاعات جذباً لرؤوس الأموال، خصوصاً في ظل ارتفاع ميزانيات الدفاع في الولايات المتحدة وأوروبا، ويمثّل استثمار شخص بارز من أسرة ترامب في هذا المجال تحولاً في طبيعة الرأسمالية المعاصرة، حيث تتقاطع التكنولوجيا المتقدمة مع الصناعات العسكرية في سوق عالمي ضخم ومتسارع.
ومع اقتراب استكمال الاندماج، سيكون إدراج “إكستند” في السوق المالية امتحاناً لمدى شهية المستثمرين للاستثمار في تكنولوجيا الحرب، لكن المؤكد أن هذه الخطوة تضع عائلة ترامب في قلب أحد أكثر القطاعات حساسية وربحية في الاقتصاد العالمي اليوم، استغلالاً من العائلة لظروف تداخُل السياسة بالمال، والحرب بالأسواق، بصورة غير مسبوقة.


