تقارير
أخر الأخبار

هجرة الإسرائيليين بحثاً عن الأمان.. كارثة ديموغرافية واقتصادية لإسرائيل

تقارير | بقش

يمر الاقتصاد الإسرائيلي بتحولات ديموغرافية (سكانية) غير مسبوقة، تُنذر بتداعيات كارثية عميقة، إذ أظهرت بيانات اطّلع عليها مرصد “بقش” من مركز “تاوب” لتقييم حالة الاقتصاد والديموغرافيا في إسرائيل، زيادةً حادة في حجم الهجرة السلبية، أي تفوُّق عدد المغادرين على الوافدين، وهو اتجاه خطير لم يشهده الكيان منذ عقود.

وتشير البيانات إلى أنه، في عام 2024، تجاوز عدد المهاجرين المغادرين عدد الوافدين بمقدار 26 ألف شخص، بما في ذلك المهاجرون الجدد، في حين يُتوقع أن يصل الفارق في عام 2025 إلى حوالي 37 ألف إسرائيلي، ما يعني ارتفاع الهجرة السلبية بأكثر من 42% مقارنة بالسنوات السابقة.

وإذا استمر الاتجاه نفسه، فمن المتوقع أن تسجل إسرائيل صافي هجرة سلبي أيضاً في عام 2026، ليفقد الكيان في غضون عامين نحو 60 ألف مواطن.

هذه التحولات تأتي في سياق تغيرات أوسع في معدلات النمو السكاني، إذ من المتوقع أن يبلغ معدل نمو سكان إسرائيل في 2025 لأول مرة أقل من 1% (0.9%)، وهو نصف معدل النمو الذي كان يتميز به خلال العقدين الماضيين (حوالي 2% بين عامي 1996 و2022)، وذلك يعكس نهاية ذروة النمو الطبيعي إلى جانب اختلال مستمر في توازن الهجرة، ما يشير إلى دخول إسرائيل في حقبة جديدة من التحديات الديموغرافية.

من هم المغادرون؟

البيانات التي تتبَّعها “بقش” تؤكد أن موجة الهجرة تشمل فئات متعددة، مع تزايد لافت في المغادرين اليهود المولودين في إسرائيل.

بين عامي 2021 و2025، تضاعف عدد اليهود الذين غادروا البلاد ثلاث مرات، من حوالي 10,000 إلى أكثر من 30,000 شخص، بينما ظل عدد اليهود العائدين ثابتاً نسبياً عند حوالي 11,000.

أما المقيمون غير اليهود المولودون في الخارج، فقد ارتفع عدد مغادريهم من 8,000 في الفترة 2021-2022، إلى 17,500 في 2023، ثم إلى 28,000 في 2024، قبل أن ينخفض قليلاً إلى 22,000 في 2025، ما يُظهر نمطاً متزايداً وثابتاً في مغادرة هذه الفئة.

هذا التوزيع يشير إلى أن الهجرة السلبية لا تقتصر على المهاجرين الجدد، بل تشمل بشكل متزايد الإسرائيليين المولودين في البلاد أنفسهم، ما يعكس تغيراً جذرياً في سلوك المواطنين ونظرتهم للمستقبل داخل إسرائيل.

ويرى المحللون، وفق صحيفة كالكاليست الاقتصادية العبرية، أن هذه الظاهرة ليست مجرد انعكاس للتغيرات الاقتصادية أو تأثيرات خارجية، مثل استخدام إسرائيل كـ”محطة عبور” للاجئين من الحرب في أوكرانيا، بل تعكس تأثيراً مباشراً للسياسات الحكومية، بما فيها آثار الانقلاب والحروب المستمرة، على اتجاهات الهجرة.

فقدان الدخل وهجرة العقول

إلى جانب الهجرة السلبية، تواجه إسرائيل انخفاضاً ملحوظاً في معدل الخصوبة، حيث انخفض المعدل السنوي للزيادة الطبيعية بين عامي 2016 و2025 من 1.6% إلى 1.3%.

ولوحظ انخفاض خاص بين السكان العرب، من 2.1% إلى 1.6%، وهذا التراجع في المواليد، مع استمرار الهجرة السلبية، يعني تراجعاً محتملاً في القوى العاملة مستقبلاً، مع تبعات اقتصادية واجتماعية سيئة.

ويتضح التفاوت بين فئات السكان في الخصوبة، فمن المتوقع أن يبلغ معدل الخصوبة لدى النساء العلمانيات وغير المتدينات 1.7 طفل لكل امرأة بحلول عام 2040، بينما ستظل النساء الحريديات عند 4.3 طفل لكل امرأة، أي بمعدل يزيد 2.5 مرة عن نظيراتهن اليهوديات غير الحريديات.

أما النساء العربيات، فمن المتوقع انخفاض المعدل إلى 2.7 بين المتدينات و2.0 بين غير المتدينات، ما يشير إلى استمرار تزايد نسبة الحريديم في المجتمع الإسرائيلي وتأثير ذلك على البنية السكانية المستقبلية.

وبينما تستمر هذه التغيرات الديموغرافية، تشير دراسة حديثة من جامعة تل أبيب إلى أن موجة الهجرة تشمل بشكل خاص الشباب ذوي الدخل المرتفع والمهندسين والأكاديميين، ما يعني خسارة الدولة لإيرادات ضريبية كبيرة وفق قراءة بقش، بالإضافة إلى فقدان كفاءات عالية المستوى في مجالات البحث والتطوير والابتكار التكنولوجي.

يُعرف ذلك بـ”هجرة العقول”، ويُعتبر تهديداً طويل الأمد لقدرة إسرائيل على المنافسة في الاقتصاد المعرفي العالمي.

والتزامن بين الهجرة السلبية وانخفاض معدل الخصوبة يشكل مزيجاً خطيراً على المدى الطويل، من حيث تراجع النمو السكاني، وفقدان المهارات والموارد البشرية الحيوية، والضغط على منظومة الابتكار والاقتصاد.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى تغييرات في التوازن الاجتماعي والسياسي، حيث تزداد نسبة المجموعات ذات معدلات الخصوبة الأعلى (الحريديم) مقارنة بالعرب والعلمانيين، ما يعيد تشكيل البنية الديموغرافية والسياسية في إسرائيل خلال العقود القادمة.

بعبارة أخرى، تواجه إسرائيل كارثة هيكلية في ديموغرافيا المجتمع والاقتصاد، يقول الإسرائيليون إنها تحتاج إلى سياسات استراتيجية شاملة لمعالجة الهجرة السلبية، ودعم الابتكار، وتشجيع الولادة ضمن مختلف الفئات، لتجنب الانزلاق نحو تأثيرات سلبية طويلة الأمد على الأمن والاقتصاد والمجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى