
الاقتصاد العالمي | بقش
تعيش أسواق الطاقة العالمية حالة ترقّب غير مسبوقة، مع تصاعد التهديدات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، التي قد تمتد تداعياتها إلى أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وهو مضيق هرمز.
وفي حال تحقق ذلك، فإن من شأنه أن يُحدث اضطراباً واسع النطاق في حركة تجارة النفط والغاز وفق اطلاع بقش على أحدث تحليلات بلومبيرغ، ويضع الأسواق أمام اختبار صعب بين مخاطر الإمدادات وفائض المعروض المحتمل.
إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب ربع صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لأي توتر عسكري في المنطقة. وتشير التقديرات التي تتبَّعها بقش إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته عبرت هذا المضيق خلال الربع الأول من عام 2025، وهو ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي اليومي.
بالتالي، فإن أي تعطّل ولو جزئي في حركة الملاحة هناك قد ينعكس فوراً على الأسعار، عبر اتساع ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية”.
بدائل محدودة لمضيق لا بديل حقيقي له
رغم وجود خطوط أنابيب بديلة، مثل خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، وخط أنابيب الإمارات المتجه إلى ميناء الفجيرة، فإن الطاقة التشغيلية الفعلية لهذه المسارات تبقى محدودة.
فالسعات النظرية التي تتجاوز 6 ملايين برميل يومياً لا تُترجم عملياً إلا إلى ما بين 2 و3 ملايين برميل يومياً وفق اطلاع بقش، وهو حجم غير كافٍ لتعويض أي توقف واسع في صادرات تمر عبر هرمز، وهذا الواقع يعزز احتمالات حدوث قفزات سعرية حادة إذا تطورت المواجهة إلى مستوى عسكري مفتوح.
والمفارقة أن أسعار النفط، حتى مع تصاعد التوترات، لا تعكس حتى الآن حجم المخاطر الكامنة، فقد جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط بخصم ملحوظ مقارنة بفترات سابقة، ما يشير إلى أن الأسواق ما تزال منشغلة أكثر بهاجس فائض المعروض، لا بندرة الإمدادات، ويعكس ذلك قناعة متزايدة بأن أي صدمة جيوسياسية قد تُقابلها زيادة في الإنتاج من قبل المنتجين الكبار.
تاريخياً، تراوحت علاوة المخاطر على أسعار النفط بين 25 و30 دولاراً للبرميل خلال فترات الصراعات الكبرى منذ عام 2016.
لكن المشهد الحالي يبدو مختلفاً، إذ تتزامن التوترات السياسية مع بيئة اقتصادية عالمية هشة، يتصدرها تباطؤ النمو في الصين، وتدهور مؤشرات سوق العمل في الولايات المتحدة، إلى جانب امتلاك تحالف “أوبك+” طاقة إنتاج فائضة يمكن توظيفها عند الحاجة.
سقف الارتفاعات المتوقعة للأسعار
في ضوء هذه المعطيات، تُرجّح التقديرات أن تكون الزيادات السعرية المحتملة محدودة نسبياً، مقارنة بما شهدته الأسواق في أزمات سابقة. فبدل قفز الأسعار إلى مستويات تقترب من 90 أو 100 دولار للبرميل، قد تقتصر علاوة المخاطر الإضافية على نطاق يتراوح بين 10 و15 دولاراً للبرميل، ما يضع سقف الأسعار المحتمل عند حدود تقل عن 80 دولاراً حسب قراءة بقش، حتى في حال تصاعد التوترات.
وأحد أبرز العوامل التي تكبح أي اندفاع صعودي حاد للأسعار يتمثل في عودة النفط الفنزويلي إلى الأسواق العالمية. فمع توقعات بتدفق استثمارات أجنبية جديدة إلى قطاع الاستكشاف والإنتاج في البلاد، يُنتظر أن يشهد الإنتاج الفنزويلي تعافيًا تدريجيًا خلال العامين المقبلين.
وتشير التوقعات إلى أن صادرات فنزويلا قد ترتفع إلى نحو 1.1 مليون برميل يومياً بنهاية عام 2026، ثم إلى 1.5 مليون برميل يومياً في 2027، وصولاً إلى قرابة مليوني برميل يومياً بحلول نهاية 2028. هذا المسار التصاعدي، إذا تحقق، سيضيف كميات مؤثرة إلى السوق العالمية، خصوصاً أن فنزويلا تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم.
«أوبك+» بين استعادة السيطرة وتفادي التخمة
في المقابل، يعكس قرار تحالف “أوبك+” تعليق زيادات الإنتاج خلال الربع الأول من العام الجاري نهجًا أكثر حذراً في إدارة السوق. فبعد أن ضخ التحالف ما يقارب 2.88 مليون برميل يومياً إضافية خلال عام 2025، بات شبح فائض المعروض يفرض نفسه بقوة، ما استدعى إعادة ضبط الإيقاع الإنتاجي.
ويرجّح أن يُبقي التحالف مستويات الإنتاج مستقرة حتى ما بعد منتصف عام 2026، في انتظار اتضاح أثر ثلاثة عوامل رئيسية: تطورات الطلب العالمي ولا سيما في الصين، وتأثير السياسات التجارية والرسوم الجمركية الأمريكية، وحجم الإمدادات الإضافية القادمة من فنزويلا.
في المحصلة، تقف سوق النفط العالمية عند تقاطع حساس بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلي.
فبينما يحمل أي تصعيد عسكري في الخليج مخاطر فورية على الإمدادات والأسعار، فإن وفرة الإنتاج المحتملة، وتباطؤ الطلب في الاقتصادات الكبرى، يشكلان كوابح قوية أمام انفلات الأسعار، وبين هذين المسارين المتناقضين تبدو المرحلة المقبلة محكومة بإدارة دقيقة للتوازن، حيث لا يكفي عامل واحد وحده لترجيح كفة السوق.


