
الاقتصاد العالمي | بقش
دخلت شركة “إنتل” واحدةً من أكثر مراحلها حرجاً منذ تأسيسها، بعدما تكشّف للمستثمرين حجم المأزق الذي تعانيه في قلب نموذجها التاريخي، أي نموذج التصنيع المتقدم للرقائق.
فخلال ساعات قليلة، تبخّر ما يقارب 31 مليار دولار من قيمتها السوقية، عقب موجة بيع عنيفة في بورصة “وول ستريت”، عكست اهتزاز الثقة في قدرة الشركة على تنفيذ وعودها التقنية، لا مجرد تحقيق أرقام إيرادات آنية.
ورغم أن نتائج الربع الأخير أظهرت إيرادات فاقت تقديرات المحللين، فإن الأسواق تجاهلت هذا الجانب الإيجابي سريعاً، وركّزت على ما اعتُبر الأخطر: توقعات قاتمة للربع الأول من عام 2026، دفعت السهم إلى أحد أكبر تراجعاته اليومية في تاريخه، بنسبة قاربت 12.5% في جلسة واحدة.
أزمة “العائد التصنيعي”: جوهر المشكلة لا هامشها
في مؤتمر إعلان النتائج، لم تحاول إنتل التخفيف من حجم التحديات، بل أقرت بوضوح بأنها تواجه تعقيدات تقنية عميقة في ما يُعرف بـ”معدل العائد” (Yield Rate) داخل مصانعها المتقدمة. هذا المؤشر، الذي يقيس نسبة الرقائق السليمة القابلة للبيع من إجمالي الإنتاج، تراجع إلى مستويات أقل بكثير من المخطط له، ما أدى إلى تضخم كلفة الوحدة الواحدة، وأفقد خطوط الإنتاج جدواها الاقتصادية.
وحسب تقديرات محللين طالعها بقش في قطاع أشباه الموصلات، فإن انخفاض العائد في عقد تصنيع متقدمة مثل Intel 18A لا يعني فقط خسائر مباشرة، بل ينعكس أيضاً في عجز عن تلبية طلبات العملاء الكبار، وتأجيل تسليم منتجات يُفترض أن تشكّل حجر الأساس في استعادة الشركة لمكانتها.
الصدمة الأكبر للأسواق جاءت مع إعلان الشركة أنها تتوقع تحقيق أرباح عند نقطة التعادل تقريباً للسهم الواحد في الربع القادم، في تراجع حاد عن توقعات سابقة كانت تراهن على عودة النمو التدريجي. هذا الإعلان اعتُبر بمثابة اعتراف ضمني بأن الأزمة أعمق وأطول مما كان يُروَّج له.
وفي السياق نفسه، حذّر المدير المالي لإنتل، ديفيد زينسنر، من أن مخزونات المكونات الأساسية بلغت مستويات حرجة، وهو ما يهدد قدرة الشركة على شحن معالجاتها الجديدة في المواعيد المعلنة، ويزيد من مخاطر فقدان مزيد من الحصص السوقية لصالح المنافسين.
فجوة التنفيذ لا التصميم
تحليلات المؤسسات البحثية الكبرى التي تتبَّعها بقش، وعلى رأسها “بلومبيرغ”، تشير إلى أن مأزق إنتل لا يكمن في هندسة المعالجات أو قدرات فرق التصميم، بل في الفجوة بين الطموح التقني والقدرة الصناعية الفعلية. فبينما تُظهر خرائط الطريق تقدماً نظرياً نحو دقة 1.8 نانومتر، لا تزال المصانع تكافح لتحويل هذه الوعود إلى إنتاج تجاري واسع النطاق ومربح.
وهنا تحديداً، تتجلى المقارنة المؤلمة مع الشركة التايوانية “تي إس إم سي”، التي نجحت في ترسيخ تفوقها في التصنيع المتقدم، ومع منافستها الأمريكية “إيه إم دي”، التي استفادت من هذا التفوق عبر التركيز على التصميم فقط، وترك عبء التصنيع لشركاء أكثر كفاءة.
وتكتسب أزمة إنتل بعداً يتجاوز السوق، نظراً لدورها المحوري في الاستراتيجية الصناعية للحكومة الأمريكية، التي تراهن عليها كركيزة أساسية ضمن “قانون الرقائق” (CHIPS Act)، الهادف إلى استعادة جزء من السيادة التقنية وتقليل الاعتماد على آسيا.
ويرى خبراء في السياسات الصناعية أن أي تعثر طويل الأمد في قدرة إنتل على الإنتاج المتقدم لا يهدد موقعها التجاري فحسب، بل يضع الرهان الأمريكي بأكمله على المحك، ويفتح الباب أمام تعميق الهيمنة الآسيوية في واحد من أكثر القطاعات حساسيةً في الاقتصاد العالمي.
إدارة إنتل، من جهتها، تواصل التمسك بخطاب الاستراتيجية طويلة الأمد، وتؤكد أن الاستثمارات الضخمة في المصانع والتقنيات الجديدة ستؤتي ثمارها في النصف الثاني من عام 2026 وما بعده.
غير أن الأسواق، التي أظهرت نفاد صبرها بوضوح، لم تعد تكتفي بالوعود أو الجداول الزمنية النظرية، بل تطالب بنتائج ملموسة يمكن قياسها في هوامش الربح، ومعدلات العائد، وقدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها.
وبذلك، يبدو أن النصف الثاني من عام 2026 قد يكون مرحلة اختبار لإثبات ما إذا كانت قادرة على استعادة توازنها التاريخي كعملاق متكامل للتصميم والتصنيع، أم أن عصرها الذهبي يقترب من نهايته لصالح نموذج صناعي جديد تقوده شركات أكثر مرونة وكفاءة.


