تقارير
أخر الأخبار

صفقة أمريكية لبيع 70 ألف شريحة ذكاء اصطناعي لـ السعودية والإمارات.. سباق الذكاء الاصطناعي يتضخم والفقاعة تقترب

تقارير | بقش

تسارعت الخطوات الأمريكية لإتاحة بيع تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لحلفائها الخليجيين، في وقت تضخ فيه السعودية والإمارات استثمارات هائلة في القطاع أملاً في بناء اقتصادات رقمية مستقلة.

غير أن هذه الاندفاعة تأتي بالتزامن مع تحذيرات دولية متصاعدة من تضخم “فقاعة الذكاء الاصطناعي”، ومن احتمالات أن يتحول جزء كبير من هذا الإنفاق إلى التزامات غير منتجة، خصوصاً مع ميل الشركات الأمريكية إلى تسويق القطاع كفرصة ذهبية بينما تنظر إليه مؤسسات اقتصادية كبرى باعتباره “استثماراً مرتفع التكلفة ضعيف العائد على المدى القريب” حسب متابعة بقش.

الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن فتحت الباب لقرارات أمريكية سريعة، أبرزها الموافقة على بيع 70 ألف شريحة متقدمة من إنتاج “إنفيديا” لكلٍّ من شركة هيوماين السعودية و”G42″ الإماراتية، في خطوة تعكس الأطماع الأمريكية الواضحة في استقطاب التمويل الخليجي وتوظيفه في القطاع الأكثر تكلفة في العالم حالياً.

وجاءت هذه الموافقة بعد ساعات فقط من توقيع مذكرة تفاهم “محورية” بين الرياض وواشنطن، وهو ما يوضح حجم الرغبة الأمريكية في توسيع نفوذها داخل خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية.

ومع ذلك، فإن هذه التحركات تجري في بيئة دولية مشحونة بالمخاوف؛ فمنظمة التعاون الاقتصادي، وصناديق إدارة الأصول الكبرى، وتقارير بحثية نشرتها بلومبيرغ خلال الأسابيع الماضية، كلها تلمّح إلى أن الطفرة الحالية تسير بسرعة تفوق قدرة الأسواق على توليد العائد، ما ينذر بتحول جزء من هذه الاستثمارات إلى “أصول مرتفعة القيمة ومنخفضة الجدوى”.

وفي ظل هذه التقلبات، تجد السعودية والإمارات نفسيهما في قلب سباق عالمي محموم، تدفعه الرغبة في امتلاك أدوات المستقبل، لكن تحيط به أيضاً غيوم من الشك حول ما إذا كانت هذه القفزة التقنية ستتحول إلى مكسب مستدام أم إلى تكلفة باهظة أخرى تختفي خلف بريق الرقائق المتقدمة.

الأطماع الأمريكية تتوسع… والرقائق تتحول إلى بوابة لتمويل السوق التكنولوجية

الولايات المتحدة لم تُخفِ رغبتها في استقطاب الإنفاق الخليجي الضخم، فبيع 70 ألف شريحة “بلاكويل” ليس مجرد صفقة تجارية، بل خطوة ضمن مسار أمريكي يستهدف جذب رؤوس الأموال السعودية والإماراتية لتخفيف الأعباء الهائلة التي تتحملها الشركات الأمريكية في تشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

تصريحات ستيفن شوارزمان، رئيس “بلاكستون”، خلال منتدى الاستثمار الأمريكي–السعودي، بدت منسجمة مع هذا التوجه، إذ وصف وصول السعودية إلى الرقائق المتقدمة بأنه “فرصة استثنائية للنمو”. لكن هذه اللغة تخفي واقعاً واضحاً: الشركات الأمريكية تحتاج إلى مشترين بمليارات الدولارات لتغطية ارتفاع تكاليف البحث، والبنية السحابية، والطاقة، ومعالجة البيانات.

ومع توقيع مذكرة التفاهم بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدا واضحاً حسب اطلاع بقش أن واشنطن تسعى ليس فقط لبيع التكنولوجيا، بل لربط الاقتصاد السعودي بالبنية الحوسبية الأمريكية لسنوات طويلة، بما يضمن استمرار تدفق الأموال نحو الشركات الأمريكية التي تبحث عن سيولة لتغذية سباق الذكاء الاصطناعي.

وفي وقت حذر فيه خبراء أسواق من تضخم التقييمات، جاءت الموافقة على تزويد شركتي “هيوماين” و”G42″ بـ35 ألف رقاقة لكل منهما، لتضيف طبقة جديدة من الإنفاق الخليجي الضخم الذي قد لا يحقق مردوده الاقتصادي سريعاً، وسط ازدياد التحذيرات من “فقاعة وشيكة” في هذا القطاع الذي يرتكز على وعود أكثر مما يرتكز على نتائج ملموسة حتى الآن.

شراكات بالمليارات… وسوق عالمية تتضخم أسرع من قدرتها على الإنتاج

السعودية أعلنت سابقاً أن استهلاكها من الرقائق سيتجاوز 50 مليار دولار في المدى القريب، بينما أطلقت “هيوماين” مشروعاً بقيمة 3 مليارات دولار لتطوير مراكز بيانات بالتعاون مع “بلاكستون” وفق قراءة بقش. هذه الأرقام الهائلة تأتي في وقت تؤكد فيه تقارير اقتصادية أن تكلفة بناء مراكز البيانات تتضاعف سنوياً مع ارتفاع أسعار الطاقة والمواد والمعدات، مما يقلل جاذبية العائد الاستثماري.

ووفقاً لتقارير بحثية نشرتها بلومبيرغ، فإن الشركات العالمية تعاني من فجوة بين سرعة الإنفاق وسرعة تحقيق العوائد، خصوصاً بعد أن بلغ عدد طلبات شراء شرائح “بلاكويل” نحو 3.6 مليون وحدة لدى أربع من أكبر شركات الحوسبة السحابية فقط.

في المقابل، تمضي “هيوماين” قدماً نحو تشغيل مراكز بيانات في الرياض والدمام بقدرة 100 ميغاواط لكل مركز، وقعت خلالها سلسلة شراكات مع “غروك” و“أدفانسد مايكرو ديفايسز”. بينما تعزز الإمارات موقعها عبر توسع “G42” وإعلانها استثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل.

هذه الشراكات الضخمة تعكس حجم الطموح الخليجي، لكنها تكشف أيضاً عمق الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، وهو اعتماد تزيد مخاطره إذا ما انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي العالمية التي بدأت ملامحها تلوح منذ منتصف 2024 وفق تقديرات بنوك استثمارية دولية.

دخول السعودية والإمارات بقوة في سوق الرقائق يعكس رغبة واضحة في بناء اقتصاد معرفي مستقل، لكن البيانات الدولية تشير إلى أن القطاع يمر بمرحلة “تقييمات زائفة” تعتمد على المنافسة السياسية أكثر مما تعتمد على القيمة الاقتصادية الحقيقية. فالرقاقة التي تباع وفق تتبُّع بقش بـ40 ألف دولار اليوم قد يفقد سعرها نصف قيمته في أقل من عام إذا ظهرت جيل أحدث أو تغيّرت دورة الطلب العالمية.

ورغم أن واشنطن تستفيد من هذه الموجة عبر تعزيز صادراتها من التقنيات المتقدمة واستقطاب استثمارات ضخمة، فإن الدول الخليجية تتحمل الجانب الأكبر من المخاطرة، خصوصاً أن بناء مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية يعتمد على تدفق مالي مستمر وليس على دفعات محدودة.

بين الطموح الخليجي والضغوط الأمريكية… من يدفع الثمن؟

مع مرور الوقت، يبدو أن سوق الذكاء الاصطناعي العالمية تسير نحو نقطة اختبار قريبة: هل ستُترجم هذه الاستثمارات الهائلة إلى إنتاجية ونمو؟، أم أننا نمهد لانفجار فقاعة سيكون العالم كله شريكاً فيها؟.

تبدو السعودية والإمارات اليوم في قلب السباق العالمي للذكاء الاصطناعي، لكنهما أيضاً في قلب المخاطرة. فبينما تستفيد واشنطن من تدفق المليارات الخليجية لتقوية شركاتها، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الرقائق وهذه الصفقات إلى قيمة اقتصادية حقيقية؟

التحذيرات الأخيرة من المؤسسات الدولية تشير إلى فجوة كبيرة بين حجم الإنفاق الحالي واحتمالات العائد، خصوصاً مع تضخم القطاع فوق قدرته الحقيقية على الإنتاج. وفي حال تباطأ الطلب العالمي أو تراجعت التقييمات، فإن الدول الأكثر إنفاقاً -وفي مقدمتها السعودية والإمارات- ستكون الأشد تعرضاً للصدمات.

زر الذهاب إلى الأعلى