خيام النازحين تتحول إلى بِرك والبناء يحتاج 70 مليار دولار.. أفدح وضع كارثي تعيشه غزة

تقارير | بقش
في قطاع غزة، تحولت مناطق النزوح إلى بِرَك من المياه والطين بفعل الأمطار الغزيرة، خصوصاً في منطقة المواصي بمدينة خان يونس جنوبي القطاع. وغرقت عشرات الخيام التي تؤوي النازحين الذين دُمرت مساكنهم خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، وتطايرت خيام أخرى بفعل الرياح، ما فاقم أوضاع مئات الآلاف من النازحين.
وليس هذا سوى مشهد من مشاهد كثيرة مؤلمة داخل القطاع وفق متابعات بقش. وحذّر الدفاع المدني من خطورة الوضع، مشيراً إلى أن الأمطار قد تتسبب بانهيارات إضافية للمباني المتصدعة، في وقت تعاني فيه فرق الإنقاذ من نقص حاد في الوقود والمعدات الثقيلة، ما يهدد استمرار عمليات الإنقاذ والتدخل الإنساني.
وقال الدفاع المدني إن الكارثة الإنسانية وشيكة مع تواصل تأثيرات المنخفض الجوي الذي يضرب القطاع، وتسبّب في غرق عشرات خيام النازحين وسط نقص حاد في الوقود ومعدات الإنقاذ، مما يهدد بوقف عمليات التدخل الإنساني في أي لحظة. كما ذكر أن مضخات شفط المياه التي نجت من القصف الإسرائيلي أصبحت بلا وقود، وأن ما تبقى منها ينتظر إمداده بمادة البنزين للتعامل مع السيول والبرك التي أغرقت مناطق واسعة من مخيمات النزوح، في حين تحتاج طواقم الإنقاذ إلى المعدات الثقيلة للتعامل مع الانهيارات المحتملة.
وفي هذه الظروف، أصبحت التنقلات داخل المخيمات شبه مستحيلة، وتعرضت ممتلكات السكان للخطر، بينما يعاني الأطفال وكبار السن من البرد ونقص الأغطية والملابس الشتوية ووسائل التدفئة.
ودفع تدمير 92% من المباني السكنية في القطاع غالبية المواطنين للنزوح إلى خيام لا توفر الحد الأدنى من الحماية، أو للبقاء في منازل متصدعة رغم خطر انهيارها، ما يجعل الوضع الإنساني أكثر هشاشة وتعقيداً.
وفي غضون هذه الوضع الكارثي، واستمرار الحصار على المساعدات الداخلة إلى القطاع، أعلنت مؤسسات عن مبادرات إنسانية لتقديم المساعدة للأطفال الفلسطينيين، أبرزها مشروع “سيارة الأمل” الذي يهدف إلى تحويل سيارة البابا فرنسيس السابقة إلى عيادة متنقلة في غزة.
وتذكر تقارير أن المشروع يركز على تقديم الرعاية الصحية للأطفال المتضررين من الحرب، ويشمل تشخيص الأمراض، والفحوصات السريعة، والحقن والعلاج الطبي. وتأتي المبادرة وسط الحاجة الماسة للأطفال الذين يعانون من آثار الحرب على صحتهم الجسدية والنفسية، وتظهر الجهود المستمرة لدعم المجتمع المدني في غزة رغم القيود والحصار المستمر.
70 مليار دولار لإعادة البناء
أمام هذه المخاطر التي يواجهها السكان، تقول وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) في تقرير جديد اطلع عليه “بقش” إن إعادة إعمار غزة ستتطلب أكثر من 70 مليار دولار وقد تمتد عقوداً طويلة. واعتبرت الوكالة أن العمليات العسكرية المستمرة أدت إلى “انهيار غير مسبوق” في الاقتصاد الفلسطيني، حيث دُمرت ركائز البقاء الأساسية، من الغذاء إلى المأوى والرعاية الصحية.
التقرير أكد أن حجم الدمار تسبب في أزمات متتالية اقتصادية وإنسانية وبيئية واجتماعية، أدت بالقطاع من حالة تراجع التنمية إلى حالة دمار كامل، وقد أظهرت الأرقام أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 87% خلال الفترة 2023-2024، ليصل نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 161 دولاراً فقط، وهو من بين أدنى المعدلات عالمياً.
وأوصت أونكتاد بإطلاق خطة إنعاش شاملة تشمل المساعدات الدولية المنسقة، واستئناف التحويلات المالية، وتخفيف القيود على التجارة والتنقل والاستثمار، إضافة إلى تطبيق دخل أساسي طارئ شامل لكل فرد في غزة.
حتى مع الدعم الخارجي المتوقع، من المرجح أن يستغرق القطاع عقوداً لاستعادة مستويات الرفاه السابقة، ما يضع سكان غزة أمام مستقبل طويل من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية.
إنهاء نشاط “مؤسسة غزة” بعد قتل المئات
في سياق الحديث عن الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة، انتهت عمليات ما تسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بعد ستة أشهر من نشاطها في أربعة مراكز للتوزيع.
وقد تعرضت المؤسسة لانتقادات شديدة بسبب قتل مئات الفلسطينيين المجوَّعين أثناء محاولتهم الحصول على الطعام في مواقع التوزيع، حيث شهدت تلك المواقع فوضى عارمة وأعمال عنف أدت إلى سقوط ضحايا، أغلبهم بنيران إسرائيلية.
المؤسسة أعلنت أن مهمتها “الطارئة” انتهت بعد توزيع ثلاثة ملايين حزمة غذائية بما يعادل أكثر من 187 مليون وجبة، واعتُبر أن المؤسسة يجب أن تتحمل المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بالفلسطينيين. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن أسلوب إدارة توزيع الأغذية من قبل المؤسسة، الذي تضمّن نقل الأشخاص إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية، ينتهك المبادئ الإنسانية الأساسية من حياد واستقلالية وأمان.
مكتب الإعلام الحكومي في غزة اتهم اليوم الثلاثاء مؤسسة غزة الإنسانية بالضلوع في أخطر مخطط استهدف المدنيين الفلسطينيين عبر التجويع، مؤكداً وفق اطلاع بقش أنها تحولت من جهة توزيع مساعدات إلى غطاء إنساني زائف وواجهة تعمل ضمن المنظومة الأمريكية الإسرائيلية لاستدراج المدنيين إلى مواقع قتل جماعي.
وأشار المكتب إلى أن إعلان مؤسسة غزة الإنسانية وقف عملها في نقاط توزيع المساعدات لم يكن مفاجئاً، وأنها تورطت بشكل مباشر في الاستدراج المنهجي للمدنيين المجوَّعين إلى مصائد موت منظمة صممت وخطط لها بعناية.
الأزمة الكارثية مركّبة: بين الحصار والدمار والفشل الإغاثي
الوضع في غزة اليوم يُظهر أزمة إنسانية مركبة، تجمع بين عوامل طبيعية كالأمطار والسيول، وأخرى بشرية ناتجة عن الحروب والتدمير الاقتصادي والسياسات الإغاثية الفاشلة. تدمير البنية التحتية بنسبة 92%، والتحديات الاقتصادية الهائلة، ونقص الغذاء والوقود والدواء، كلها عوامل تجعل إعادة إعمار القطاع تحدياً يمتد لعقود.
في الوقت نفسه، تبقى المبادرات الإنسانية محدودة أمام حجم الكارثة. كما أن فشل مؤسسة “غزة الإنسانية” في تقديم المساعدات بشكل آمن ومنصف يعكس هشاشة النظام الإغاثي وتداخل السياسة بالقضية الإنسانية، ما يزيد من الضغوط على سكان القطاع ويهدد استقرار المجتمع على المدى الطويل.
وفي المجمل، تتعرض غزة لأفدح وضع كارثي يدمّر قدرتها على الصمود أمام الطوارئ الطبيعية والإنسانية، في حين أن الطريق نحو التعافي يحتاج إلى تضافر جهود دولية واسعة النطاق، تتجاوز المساعدات المؤقتة وبيانات الإدانة السياسية العربية والإسلامية، لتشمل خطط إعادة بناء شاملة، وإصلاح النظام الاقتصادي، وضمان حقوق الإنسان الأساسية في الأمن والغذاء والصحة.


