تقارير
أخر الأخبار

رماد بركان إثيوبيا يواصل تمدده عبر ثلاث قارات… وتعطل واسع في الطيران الدولي

تقارير | بقش

لم يكن ثوران بركان “هايلي جوبي” في شمال شرق إثيوبيا حدثاً محلياً عادياً، بل تحوّل خلال 72 ساعة فقط إلى ظاهرة عابرة للقارات، بعدما دفعت الرياح الموسمية الضخمة أعمدة الرماد البركاني نحو البحر الأحمر ثم إلى شبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا. وبحسب تقارير رويترز ووكالات أرصاد دولية، فإن الارتفاع الهائل لسحابة الرماد -التي وصلت إلى نحو 14 كيلومتراً- جعلها قادرة على الانتقال لمسافات شاسعة مؤثرةً على الرحلات الجوية في دول بعيدة عن مركز الثوران بآلاف الكيلومترات.

وتُعد هذه أول مرة في التاريخ المسجَّل يثور فيها هذا البركان، ما يجعل مراقبته العلمية معقدة للغاية، إذ لا تتوفر بيانات تاريخية تساعد خبراء البراكين على تحديد سلوكه المتوقع أو مدة نشاطه. ووفق هيئة الأرصاد الإثيوبية، فإن منطقة عفر التي ظهر فيها الثوران تعدّ واحدة من أكثر البيئات البركانية تعقيداً في شرق أفريقيا، حيث تلتقي فيها ثلاثة صدوع تكتونية كبرى.

وبينما لم تسجَّل وفيات أو إصابات بشرية في إثيوبيا حتى الآن، إلا أن التأثيرات الواسعة التي أحدثها الرماد، من اضطراب الطيران الدولي، إلى تبعات محتملة على المجتمعات الزراعية والرعوية، تجعل ثوران “هايلي جوبي” واحداً من أهم الأحداث الجيولوجية التي تضرب المنطقة منذ عقود.

إثيوبيا: رماد كثيف يغطي القرى… وتبعات على المجتمعات الرعوية

أعلنت السلطات الإثيوبية أن الرماد المتساقط غطّى قرية أفديرا بالكامل، وهي إحدى القرى القريبة من مركز البركان في منطقة عفر حسب اطلاع بقش، ما أجبر السكان على التزام منازلهم وأثار مخاوف واسعة من تضرر المحاصيل والمراعي.

وقال المسؤول المحلي محمد سيد لوكالة أسوشييتد برس إن الرماد يهدد مصادر العلف الطبيعي للماشية، وهو ما قد يؤثر مباشرة على نمط عيش آلاف الرعاة الذين يعتمدون على الترحال الموسمي.

وتشير صور الأقمار الصناعية، التي نقلها مركز تولوز الاستشاري لرماد البراكين، إلى أن عمود الرماد كان كثيفاً بشكل غير مسبوق، مع اتجاه واضح نحو الغرب والشمال الغربي، قبل أن تبدأ الرياح بدفعه نحو شمال الهند. ويقول خبراء الجيولوجيا إن طبيعة الرماد -المكون من شظايا صخرية وزجاج بركاني دقيق- تجعل تأثيره البيئي طويل الأمد، وقد يعطّل التربة الزراعية في المنطقة إذا تواصل تساقطه.

كما يتوقع أن تواجه الحكومة الإثيوبية تحدياً إضافياً في دعم المجتمعات البدوية والرعوية، خصوصاً أن منطقة عفر من أكثر المناطق هشاشة من حيث الأمن الغذائي، وأن أي اضطراب في المراعي قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاقتصادي للسكان المحليين خلال الأشهر القادمة.

اليمن وعُمان: عبور السحابة البركانية فوق البحر الأحمر

بعد مرور ساعات على ثوران البركان، بدأت سحابة الرماد بالعبور فوق البحر الأحمر باتجاه اليمن، وفق ما أكدته هيئة التنبؤات الجوية اليمنية.

ووصلت السحابة إلى مناطق واسعة تشمل الحديدة وإب وأجزاء من جنوب غرب اليمن حسب متابعة بقش، ما دفع السلطات إلى إصدار تحذيرات صحية للأهالي بضرورة تقليل الخروج والحرص على ارتداء الكمامات الواقية.

وذكر مركز التنبؤات أن “الرماد البركاني قد ينتقل مئات الكيلومترات تحت تأثير الرياح السائدة”، وهو ما يجعل تأثيره ممكناً حتى في مناطق بعيدة عن إثيوبيا. ويتخوف الخبراء من أن يؤدي تساقط كميات كبيرة من الرماد إلى تلوث خزانات مياه الشرب والأسطح المكشوفة، خصوصاً في المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية.

أما في سلطنة عُمان، فقد رصدت محطات الأرصاد الجوية مروراً لسحابة الرماد في طبقات الجو العليا، الأمر الذي استدعى تحذيرات للرحلات الجوية العابرة.

ورغم عدم تسجيل أضرار مباشرة في السلطنة، إلا أن وجود السحابة على ارتفاعات كبيرة استدعى مراقبة حثيثة، نظراً لحساسية قطاع الطيران لأي جسيمات دقيقة يمكن أن تتسبب في تلف محركات الطائرات.

الهند وباكستان: أكبر تأثير خارج أفريقيا

الهند كانت المتضرر الأكبر خارج إثيوبيا، حيث أعلن مطار نيودلهي إلغاء ما لا يقل عن 7 رحلات دولية وتأخير ما يفوق 10 رحلات أخرى، إضافة إلى إلغاء 13 رحلة تابعة للخطوط الهندية منذ يوم الاثنين، نتيجة الحاجة لفحص الطائرات التي عبرت مناطق قد تكون ملوثة بالرماد.

وأوضح متحدث باسم شركة “إير إنديا” أن القرار يأتي التزاماً بتوجيهات هيئة تنظيم الطيران المدني الهندية، التي طالبت الشركات بإجراء اختبارات إضافية للمحركات.

شركة “أكاسا إير” أعلنت أيضاً إلغاء رحلات إلى جدة والكويت وأبوظبي، نتيجة مخاوف من مرور الرحلات عبر مسارات جوية ملامسة لحركة السحابة البركانية فوق بحر العرب. ويرى خبراء الطيران أن الرماد البركاني يشكل خطراً بالغاً على المحركات، إذ يمكن للجسيمات الدقيقة أن تذوب داخل غرفة الاحتراق ثم تتجمد على شفرات التوربينات، ما يؤدي إلى فقدان الدفع بالكامل.

وفي باكستان، ذكرت السلطات أن الرماد مرّ فوق شمال البلاد، ما دفع هيئة الطيران إلى إصدار تحذير هو الأول من نوعه. ورغم أن التأثير لم يصل إلى مستوى الإلغاء الواسع للرحلات، إلا أن السلطات دعت شركات الطيران إلى تعديل المسارات الجوية عند الضرورة، ما يعكس مدى اتساع رقعة التأثير الآسيوي للبركان الإثيوبي.

تُظهر البيانات الدولية الأولى التي تابعها بقش أن الخسائر الاقتصادية المباشرة قد تظل محدودة مقارنة بكوارث بركانية مشابهة، إلا أن التأثيرات غير المباشرة قد تكون أوسع بكثير. فعلى مستوى الطيران، أدى اضطراب الرحلات في الهند وحدها إلى خسائر تشغيلية لشركات الطيران، إضافة إلى اضطرار المسافرين إلى إعادة حجوزاتهم وتغيير مسارات سفرهم.

وتشير تقديرات مراكز الطيران العالمية إلى أن الرماد البركاني يمكن أن يسبب خسائر كبيرة في قطاع النقل الجوي إذا استمرت السحابة في التحرك، خصوصاً مع كون المنطقة المتأثرة تشمل مسارات حيوية بين الشرق الأوسط وآسيا.

أما على المستوى الصحي، فإن الرماد البركاني يحتوي على جسيمات زجاجية دقيقة قد تؤثر على الجهاز التنفسي، خصوصاً لدى كبار السن ومرضى الربو، وهو ما دفع السلطات اليمنية والهندية إلى إصدار توصيات صحية عامة للسكان، تشمل ارتداء الكمامات والحد من الخروج في فترات الذروة.

وفي السياق البيئي، تراقب هيئات البيئة في إثيوبيا واليمن احتمال تلوث مصادر المياه جراء وصول الرماد إلى الخزانات، خصوصاً في المناطق الجافة التي تعتمد على تخزين المياه المكشوفة.

ويمثل ثوران بركان “هايلي جوبي” حدثاً جيولوجياً استثنائياً يمتد تأثيره من شرق أفريقيا إلى جنوب آسيا والجزيرة العربية، في مشهد نادر يُظهر كيف يمكن لظاهرة طبيعية محلية أن تتحول خلال ساعات إلى أزمة إقليمية ودولية. ومع استمرار مراقبة السحابة البركانية عبر الأقمار الصناعية، تتجه الأنظار إلى مسارها في الأيام المقبلة، وإلى مدى قدرة الدول المتأثرة على مواجهة تداعياتها الصحية والبيئية والاقتصادية.

ورغم غياب الخسائر البشرية حتى الآن، إلا أن تضرر المجتمعات الرعوية في عفر، وتعطل الطيران الدولي، واتساع نطاق التحذيرات الجوية يؤكد أن آثار هذا البركان لن تتوقف عند حدود إثيوبيا، بل قد تظل موضوعاً رئيسياً للمراقبة الدولية لفترة طويلة.

زر الذهاب إلى الأعلى