الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

أكثر من ثلث اقتصاد اليمن معتمد على التحويلات المالية.. شريان حياة مهدَّد أمام العقوبات والانهيار الاقتصادي

الاقتصاد اليمني | بقش

تكشف أحدث دراسة تحليلية اطلع عليها مرصد “بقش” حول التحويلات المالية في اليمن، عن الاعتماد الاقتصادي المتزايد لليمنيين على التحويلات، إذ باتت التحويلات المالية تمثل اليوم أكثر من 38% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وهذا المستوى يضع اليمن في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الاعتماد على التحويلات المالية، بعد طاجيكستان ودولة تونغا، رغم أن عدد سكان اليمن أكبر بكثير وأكثر ضعفاً، ما يجعل التحويلات بمثابة الركيزة الاقتصادية شبه الوحيدة في ظل تراجع كل مصادر الدخل الأخرى.

وتُقدّر الدراسة الصادرة عن اتحاد النقد اليمني (CCY) أن تدفقات التحويلات المالية الرسمية وغير الرسمية ستتجاوز 7.4 مليارات دولار أمريكي في عام 2024، وهو ما يعادل حوالي 38% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذا الرقم لا يعكس فقط ضَخامة التحويلات، بل يعكس هشاشة الاقتصاد الذي بات معتمداً على مصدر خارجي قابل للانقطاع في أي لحظة.

وحسب قراءة بقش للتقرير، فإن الاقتصاد اليمني شهد منذ اندلاع الحرب عام 2015، إعادة هيكلة كاملة وغير مخطط لها. وكانت صادرات النفط سابقاً المصدر الأول للعملة الصعبة، لكن انهيارها تحت وطأة الحرب والعقوبات والحظر الذي فرضته سلطة صنعاء على صادرات الوقود، جعل التحويلات المالية تتصدر المشهد كمصدر رئيسي للدخل.

ديناميكيات معقدة لحركة التحويلات

واعتمدت الدراسة التي أجراها اتحاد النقد اليمني على منهجية متعددة الأساليب، شملت بيانات متتبع تحويلات CCY، ومقابلات مع مصادر معلومات رئيسية من مزودي خدمات مالية، وتحليل ميزان المدفوعات، ومراجعة مصفوفات تتبع النزوح.

وتكشف هذه المنهجية عن ديناميكيات معقدة في حركة التحويلات، بما فيها التقلبات الموسمية، حيث إن التحويلات تتأثر بالأعياد الدينية وأنماط العمل في دول الخليج حيث يتركز معظم المغتربين اليمنيين.

كما كشف التحليل أيضاً عن تحويلات داخلية كبيرة من مناطق حكومة عدن إلى مناطق حكومة صنعاء، والسبب وجود عمال نازحين يعيلون أسرهم المتروكة في المناطق الأخرى.

وثمة ارتباط وثيق بين تقديم الخدمات المالية وأنماط النزوح، فالتوزيع الجغرافي لمقدمي الخدمات المالية يتوافق مباشرة مع خريطة النزوح الداخلي، ما يعكس ترابطاً عضوياً بين الهجرة الاقتصادية وتدفقات التحويلات.

تهديدات خطيرة تطال آخر شريان حياة لملايين اليمنيين

الدراسة تُحذّر من أن هذا الشريان المالي مهدَّد الآن بعوامل متداخلة، أبرزها تصنيف الولايات المتحدة للحوثيين ضمن المنظمات الإرهابية الأجنبية، والعقوبات المصرفية المتزايدة (على البنوك في صنعاء)، وتصاعد الحرب الاقتصادية بين السلطات اليمنية.

وفي هذه الظروف، سيكون تعطّل التحويلات مدمراً، خاصة أن 66% من الأسر عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، كما شهدت المساعدات الإنسانية انخفاضاً حاداً.

وأصبح الاعتماد على التحويلات ضرورة وجودية وليس فقط اقتصادية. ويُقدّر التقرير حسب قراءة بقش أن 18.1 مليون شخص سيواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي حتى أوائل 2026، مما يجعل التحويلات المالية محوراً أساسياً في بقاء الأسر وليس مجرد مؤشر اقتصادي يمكن تعويضه.

اعتماد اليمن على التحويلات المالية

يمثل اعتماد اليمن على التحويلات بنسبة تتجاوز 38% من الناتج المحلي، حالة اقتصادية نادرة تكشف عن اقتصاد لم يعد قائماً على الإنتاج، بل على تدفق نقدي خارجي، يشبه إلى حد كبير التنفس عبر رئة خارجية، بحيث يؤدي أي انقطاع مفاجئ إلى انهيار مباشر.

والاعتماد على التحويلات وسط شبه انعدام الإنتاج الوطني، يكرّس اقتصاداً معتمداً على الاستهلاك بدل الإنتاج وفق التحليلات الاقتصادية، كما يعزز من تراجع مساهمة القطاعات التقليدية كالزراعة والصناعة، وضعف قدرة الدولة على خلق وظائف داخلية، إضافةً إلى أن هذا الوضع يؤدي إلى تعميق الهجرة الاقتصادية وتعزيز دائرة الاعتماد.

وتشكل التحويلات داعماً لاستقرار الريال اليمني، ما يعني أن انخفاض التحويلات يهدد بتراجع المعروض من العملة الصعبة، وانتكاسة سعر الصرف، وارتفاع أسعار الغذاء.

وتستورد اليمن أكثر من 90% من احتياجاتها الغذائية، وذلك يشير إلى أنه بدون التحويلات المالية تجد المؤسسات أو التجار صعوبة في توفير غطاء مالي للاستيراد وسيولة للتجارة.

وتُدار تحويلات ضخمة عبر قنوات رسمية وغير رسمية حسب معلومات بقش، وهو ما يؤدي إلى تقوية شبكات الصرافة على حساب القطاع المصرفي، وتوسع اقتصاد غير خاضع للضرائب أو للرقابة الرسمية الكاملة، وسط ضعف قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية.

وبنفس الوقت تشير تقارير إلى أن التحويلات المالية اليوم ربما هي التي تمنع تفشي الجوع على نطاق أوسع، والتفكك الأسري، وتجدُّد موجات النزوح.

لكن أي هزة في هذا القطاع قد تعني فقدان الأسر لعنصر حيوي مهم في حياتها، وتوسع آليات التكيف السلبية مثل بيع الأصول، وتخفيض وجبات الطعام، وإخراج الأطفال من المدارس، وهي ممارسات تزيد من هشاشة المجتمع لسنوات طويلة.

بالنتيجة، تكشف الأرقام الواردة في تقرير اتحاد النقد اليمني أن اليمن يعيش اليوم على اقتصاد قائم على التحويلات، وليس على الإنتاج أو التصدير أو الاستثمار، وهذه التحويلات تُبقي الملايين على قيد الحياة، وتمنع العملة من الانهيار، وتُحافظ على الحد الأدنى من دوران عجلة الاقتصاد.

هذا الوضع يُشبه السير على حافة الهاوية، فالعقوبات وانهيار البنية التحتية المصرفية، عناصر تجعل هذا الشريان مهدداً في أي لحظة، إذ يُخشى من توقف التحويلات وبالتالي دخول البلاد مرحلة جديدة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، قد تكون الأخطر منذ بدء الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى