“تسونامي عملات” بـ9.5 تريليونات دولار.. رسوم ترامب تُقصي الدولار من الأموال

الاقتصاد العالمي | بقش
شهدت أسواق العملات العالمية هذا العام واحدة من أكبر موجات الاضطراب، بعدما قفز متوسط تداولات العملات الأجنبية إلى 9.5 تريليونات دولار يومياً، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، وفق اطلاع مرصد “بقش” على أحدث مراجعة فصلية صادرة عن بنك التسويات الدولية (BIS).
وجاءت هذه القفزة كرد فعل مباشر لما بات يُعرف في الأسواق بـ”صدمة رسوم ترامب”، بعد أن طبق الرئيس الأمريكي رسومه التجارية في أبريل 2025، التي أحدثت ارتداداً عكسياً وغير متوقع في مسار الدولار، وأعادت تشكيل سلوك المستثمرين في أسواق الصرف العالمية.
ضربة كبيرة لمكانة الدولار
بدلاً من أن يقوى الدولار كما يحدث عادة في الأزمات، شهدت العملة الأمريكية تراجعاً حاداً وغير نمطي، وتؤكد بيانات بنك التسويات الدولية أن تأثير تلك الرسوم كان “كبيراً” وأسهم بأكثر من 1.5 تريليون دولار من إجمالي تداولات السوق خارج البورصة (OTC) في أبريل.
وقفز مؤشر بنك الاستثمار الأمريكي “جيه بي مورغان تشيس” لتقلبات العملات إلى أعلى مستوى منذ 24 شهراً، ما زاد من رغبة المستثمرين في التحوط، ودفع أحجام التداول إلى مستويات فاقت حتى ذروة اضطرابات مارس 2020 خلال جائحة كورونا.
ويشرح خبراء بنك التسويات الدولية أن العلاقة التاريخية بين الدولار والأصول عالية المخاطر انعكست تماماً خلال اضطرابات أبريل. فبدلاً من أن تنتقل الأموال إلى الدولار، انتقلت بعيداً عنه بسبب ارتفاع تكاليف التحوط منذ صعود الفائدة في 2022، إذ ارتفعت تكلفة التحوط (مع تشديد السياسات النقدية عالمياً بين 2022–2023) إلى مستويات قلّلت رغبة المستثمرين في حماية انكشافاتهم بالدولار مسبقاً.
ودخلت مؤسسات كثيرة شهر أبريل بنسب تحوط منخفضة، ما جعلها في حالة ارتباك عند إعلان الرسوم واضطرت إلى تعديل أدوات التحوط بسرعة وشراء حماية إضافية بأسعار مرتفعة.
وتراجع مؤشر بلومبيرغ للدولار الفوري بأكثر من 7% منذ بداية 2025 حسب مراجعات بقش، قبل أن يستعيد جزءاً بسيطاً من خسائره لاحقاً، لكن الاتجاه العام بقي سلبياً وغير معتاد تاريخياً.
ورغم الاضطراب التاريخي، يلاحظ تقرير بنك التسويات الدولية عدم وجود إشارات على ضغوط تمويلية في الدولار، فقد ارتفع التداول في مقايضات العملات (FX swaps) بشكل طفيف فقط مقارنة بعام 2022، ما يعني أن البنوك والمؤسسات لم تواجه مشكلة في الحصول على الدولار، بل إن المشكلة كانت سلوكية استثمارية أكثر منها نقدية تمويلية.
وهذا يوضح أن الأسواق لم تفقد الثقة في بنية الدولار الأساسية، وإنما في أدائه قصير المدى واحتمالات تعرضه لصدمات سياسية.
لمن انتصرت الأسواق؟
مع القفزات الواسعة في التقلبات، ارتفعت تداولات العقود الآجلة، كما خرج بعض المستثمرين من الدولار نحو اليورو والين الياباني والسلع والأصول المحمية من المخاطر، في حين اتجه آخرون إلى رفع مستويات التحوط بشكل حاد.
ويعكس الرقم الصادم (9.5 تريليونات دولار يومياً في أبريل) عدة حقائق بارزة، أهمها أن الأسواق باتت شديدة الحساسية للتحركات السياسية الأمريكية، فأي خطوة من ترامب، خاصة التجارية، باتت قادرة على إعادة تشكيل النظام النقدي العالمي خلال ساعات.
ويكشف تضخم حجم التداول عن هشاشة الثقة بالدولار، فبدلاً من الاستقرار تضاعفت التحركات السعرية، ما يعكس حالة توتر وإعادة تقييم للمخاطر في ظل السياسة الاقتصادية غير التقليدية لإدارة ترامب.
إلى ذلك، يُعد مسح بنك التسويات الدولية، الذي يُجرى منذ 1986 كل ثلاث سنوات، الأكثر شمولاً عن حجم السوق وهيكل التداول ودور المؤسسات المالية، وقد شاركت أكثر من 1100 مؤسسة مالية في مسح عام 2025 حسب اطلاع بقش، ما يجعل نتائجه مرجعاً أساسياً للمحللين والبنوك المركزية.
وثمة نتائج محتملة تشير إلى أن الدولار قد يستمر في الفقدان التدريجي لمكانته كملاذ آمن في الأزمات السياسية، لكن لا مؤشرات على فقدانه دوره العالمي في التمويل، وستبقى مستويات التقلب أعلى من المعدلات التاريخية.
وقد تشهد الشركات متعددة الجنسيات ارتفاعاً في تكلفة التحوط، وسيزداد العبء على البنوك المركزية في إدارة استقرار عملاتها. وبالنسبة للمستثمرين، قد يزداد الاعتماد على التحوط الديناميكي بدلاً من التحوط الثابت، ونتيجة الاضطرابات قد تنتشر استراتيجيات المخاطر القصيرة الأجل.
وأصبحت السياسة الأمريكية اللاعب الأكثر تأثيراً في أسواق العملات، حتى أكثر من مؤشرات الاقتصاد نفسها، بينما يفقد الدولار هدوءه، وتكتشف الأسواق أن الاحتياطي الفيدرالي وحده لا يكفي لضبط الاتجاه، طالما أن البيت الأبيض قادر على قلب الطاولة في أي لحظة.


