موازنة بـ901 مليار دولار تعيد هندسة القوة الأمريكية وتحوّل سياسة #ترامب العسكرية إلى عقيدة صراع طويلة الأمد

تقارير | بقش
لم يكن إقرار مشروع قانون السياسة الدفاعية الأمريكية بقيمة 901 مليار دولار خطوة مالية عادية، بل جاء كإعلان سياسي–استراتيجي صريح عن دخول الولايات المتحدة مرحلة جديدة من إدارة القوة، تُقنَّن فيها الحرب، ويُعاد فيها تعريف الأمن القومي بوصفه حالة دائمة لا ظرفاً استثنائياً.
القانون، الذي أقره مجلس النواب وينتظر تصويت مجلس الشيوخ، يمنح غطاءً تشريعياً واسعاً لأكثر من 12 أمراً تنفيذياً أصدرها الرئيس دونالد ترامب، ناقلاً إياها من قرارات ظرفية مرتبطة بإدارته، إلى التزامات قانونية طويلة الأمد يصعب على أي إدارة لاحقة تفكيكها دون كلفة سياسية مرتفعة.
وتكشف بنود المشروع، وفق اطلاع بقش، أن واشنطن لم تعد تتعامل مع التوترات الدولية باعتبارها أزمات قابلة للاحتواء، بل كصراعات ممتدة تتطلب انتشاراً عسكرياً دائماً، وتسليحاً متواصلاً، وربطاً مباشراً بين السياسة الخارجية والمجمع الصناعي العسكري.
بهذا المعنى، تتحول موازنة الدفاع إلى وثيقة عقائدية كاملة، تعيد صياغة دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وتضع القوة العسكرية في مركز القرار السياسي والاقتصادي، لا كأداة ردع أخيرة، بل كوسيلة إدارة أولى للعالم.
يُضفي مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الطابع القانوني على سلسلة من الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب خلال ولايته، محولاً إياها من قرارات رئاسية قابلة للإلغاء إلى سياسة دفاعية ثابتة تحكم الدولة الأمريكية لسنوات قادمة.
القانون، الممتد على أكثر من 3 آلاف صفحة، يجيز إنفاقاً إضافياً بنحو 8 مليارات دولار فوق ما طلبه البيت الأبيض سابقاً، إلى جانب زيادة رواتب الجنود بنسبة 3.8% حسب قراءة بقش، في خطوة تهدف إلى تعزيز الجاهزية العسكرية وضمان الاستقرار داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
ورغم أن الكونغرس لا يزال مطالباً بإقرار الاعتمادات النهائية قبل صرف الأموال، فإن الاتجاه العام للمشروع يكرّس أعلى مستوى إنفاق عسكري في تاريخ الولايات المتحدة، ويجعل أي محاولة لتقليصه مستقبلاً بمثابة قرار سياسي محفوف بالمخاطر.
وبذلك، يتحول البنتاجون من جهاز تنفيذي يتلقى التعليمات، إلى مركز ثقل استراتيجي يُملي توجهات السياسة الخارجية، مدعوماً بإطار تشريعي يحصّن العقيدة العسكرية من التغيرات السياسية.
أوروبا وأوكرانيا… تثبيت الصراع ومنع أي انسحاب استراتيجي
يضع المشروع حداً أدنى للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا عند 76 ألف جندي، ويمنع وزارة الدفاع من تقليص القوات أو إغلاق القواعد أو نقل المعدات دون التشاور مع حلف شمال الأطلسي، ما يعني عملياً تجميد أي خيار انسحاب أو إعادة تموضع جذري.
كما يمدد القانون برنامج المساعدات الأمنية لأوكرانيا حتى عام 2029، مع تخصيص 400 مليون دولار سنوياً لشراء أسلحة من الشركات الأمريكية حسب تتبُّع بقش، في ربطٍ واضح بين الحرب الأوكرانية واستمرارية نشاط المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
ولا يكتفي المشروع بالدعم المالي والعسكري، بل يشترط إخطار الكونغرس في حال تعليق أو تقليص تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، ما يسحب هذا القرار من يد السلطة التنفيذية، ويحوّله إلى التزام مؤسسي طويل الأمد.
بهذا، تتحول الحرب في أوكرانيا من صراع إقليمي إلى ركيزة مركزية في العقيدة الدفاعية الأمريكية، تُستخدم لتبرير الوجود العسكري المكثف في أوروبا، ومنع أي تحولات مستقبلية نحو تسويات أو انكفاء استراتيجي.
الصين… من الردع إلى الاستعداد للمواجهة الكبرى
يمنح مشروع القانون أولوية واضحة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، عبر تمديد مبادرة الردع في المحيط الهادئ، التي تركز على تعزيز الإنفاق العسكري والاستعداد لسيناريوهات صراع مباشر مع الصين.
وينص التشريع على إجراء تدريبات واسعة لاختبار قدرة الجيش الأمريكي على النشر المفاجئ للقوات والإمدادات في حال وقوع أزمة كبرى، مع مراجعة شاملة لقدرات النقل واللوجستيات بين مختلف فروع القوات المسلحة.
كما يُلزم القوات الجوية بدمج مهام جديدة ضمن التدريبات المشتركة مع اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، في رسالة واضحة بأن التحالفات الآسيوية لم تعد سياسية الطابع، بل عسكرية صِرفة.
هذا التوجه يعكس انتقال الصين من خانة “المنافس الاستراتيجي” إلى موقع الخصم المحتمل في التخطيط العسكري الأمريكي، ما يجعل آسيا ساحة مركزية للصراع المستقبلي في العقيدة الدفاعية الجديدة.
السلاح والاقتصاد والحلفاء… عسكرة شاملة للدولة
يعزز المشروع الشراكة العسكرية مع إسرائيل عبر تمويل أبحاث مشتركة لمواجهة القتال في الأنفاق، وبرامج الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، ما يرسّخ الدعم العسكري بوصفه التزاماً ثابتاً غير خاضع للتغيرات السياسية.
وفي خطوة ذات دلالة استراتيجية، يلغي المشروع قانون “قيصر” للعقوبات على سوريا، في إشارة إلى أن العقوبات لم تعد مبدأ أخلاقياً ثابتاً، بل أداة تكتيكية تُستخدم أو تُرفع وفق متطلبات المشهد العسكري والسياسي.
كما يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لتقييد الاستثمارات الأمريكية في شركات أجنبية، خصوصاً في الصين وهونغ كونغ وماكاو، في ربط مباشر بين الأمن القومي والأسواق المالية، وتحويل الاقتصاد إلى جبهة صراع موازية.
ويحظر المشروع برامج “التنوع والعدالة والشمول” داخل البنتاجون، مع توسيع اعتماد مبدأ الجدارة في التعيينات والترقيات، في إعادة صياغة أيديولوجية للمؤسسة العسكرية تتماشى مع رؤية سياسية محافظة ترى الجيش أداة صلبة لا ساحة صراع اجتماعي.
في تحليل بقش، تكشف موازنة الدفاع البالغة 901 مليار دولار عن انتقال الولايات المتحدة إلى مرحلة “الحرب المُقنَّنة”، حيث يُعاد تعريف الأمن القومي باعتباره حالة صراع دائم تُدار بالقانون والميزانيات، لا استثناءً مؤقتاً تُعالجه الدبلوماسية.
هذا التحول، وإن عزز قدرة الردع الأمريكية، يحمل في طياته مخاطر توسيع رقعة الصراعات، وتقييد هامش الحلول السياسية، وربط الاقتصاد العالمي بشكل أعمق بالخيارات العسكرية الأمريكية.
وفي عالم يتراجع فيه منطق التسويات، وتتصاعد فيه التوترات الكبرى، تبدو هذه الموازنة إعلاناً صريحاً عن أن واشنطن اختارت إدارة النظام الدولي بالقوة المُنظَّمة، حيث يصبح الإنفاق العسكري لغة السياسة الأولى، لا آخر أدواتها.


