
الاقتصاد العالمي | بقش
لم يأتِ التراجع الحاد في شحنات النفط الروسي إلى الهند خلال ديسمبر بوصفه تطوراً مفاجئاً بقدر ما هو نتيجة مباشرة لتراكم ضغوط تنظيمية وسياسية مارستها واشنطن على سلاسل تجارة الطاقة المرتبطة بموسكو. فبعد عامين من إعادة توجيه الصادرات الروسية نحو آسيا، بدأت هوامش المناورة تضيق، ليس بسبب نقص الطلب، بل بسبب كلفة الامتثال والمخاطر القانونية المتصاعدة.
تشير بيانات الشحن التي تتبَّعها بقش إلى أن واردات الهند من الخام الروسي تتجه لتسجيل أدنى مستوى لها منذ ثلاث سنوات، في إشارة واضحة إلى أن العقوبات الأمريكية لم تعد مجرد قيود نظرية، بل تحولت إلى عامل مؤثر في قرارات الشراء الفعلية، خصوصاً لدى كبار المكرّرين الذين يعتمدون على الوصول إلى النظام المالي العالمي دون تعقيدات.
المفارقة أن هذا التراجع يحدث رغم بقاء الخصومات السعرية للخام الروسي جذابة مقارنة بخامات الشرق الأوسط، ما يعني أن العامل الحاسم لم يعد السعر، بل “سلامة الصفقة” من منظور مصرفي وتنظيمي. وهو تحول يعكس نجاح واشنطن في نقل ساحة المواجهة من مستوى الحكومات إلى مستوى الشركات.
في هذا السياق، تبدو الهند عالقة بين حاجتها إلى نفط رخيص لدعم نموها الاقتصادي، وبين رغبتها في تجنب الاصطدام المباشر مع منظومة العقوبات الغربية، ما يفرض على سوقها النفطية قدراً متزايداً من البراغماتية الحذرة.
أرقام تتراجع… رغم بقاء الطلب
تُظهر تقديرات اطلع عليها بقش من شركة كبلر أن متوسط تسليمات الخام الروسي إلى الهند في ديسمبر يدور حول 1.1 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يقل بشكل ملحوظ عن متوسطات الأشهر السابقة، ويعكس تراجعاً حقيقياً في التدفقات، لا مجرد تقلب موسمي.
هذا الانخفاض جاء أقل حدة مما كانت تتوقعه بعض التقديرات الحكومية الهندية في وقت سابق من الشهر، ما يشير إلى أن السوق لم تُغلق بالكامل أمام النفط الروسي، لكنها باتت تعمل ضمن نطاق أضيق وأكثر انتقائية.
خلال الأشهر الماضية، تذبذبت الشحنات مع تصاعد التدقيق الأمريكي، إذ انخفضت في يوليو قبل أن تعاود الارتفاع جزئياً مع عودة بعض المصافي الحكومية إلى الشراء، مستفيدة من الخصومات الكبيرة، لكن دون الالتزام طويل الأمد.
الصورة العامة تعكس سوقاً تتحرك بتكتيك قصير الأجل، لا باستراتيجية مستقرة، حيث باتت كل شحنة تخضع لحساب منفصل، بدلاً من عقود توريد مريحة كما كان الحال في 2023 و2024.
«ريلاينس»: انسحاب ثقيل الوزن يغيّر المعادلة
التحول الأبرز تمثّل في قرار شركة ريلاينس إندستريز تعليق مشترياتها من الخام الروسي، وهو تطور له وزن يفوق الأرقام المباشرة، نظراً لدور الشركة كمشتري محوري في السوق الهندية.
القرار جاء عقب فرض الولايات المتحدة عقوبات على شركتي روسنفت ولوك أويل، مع منح مهلة محدودة لإنهاء المعاملات، ما دفع «ريلاينس» إلى إعادة توجيه مشترياتها نحو موردين غير خاضعين للعقوبات.
انسحاب «ريلاينس» لا يعني فقط تراجع الطلب، بل يرسل إشارة قوية لبقية السوق مفادها أن المخاطر التنظيمية باتت تفوق المكاسب السعرية، حتى بالنسبة لشركات تمتلك قدرة تفاوضية عالية.
ورغم أن الخام الروسي كان يُستخدم أساساً لتلبية الطلب المحلي عبر مصفاة جامنغار العملاقة، فإن ذلك لم يكن كافياً لتحييد الشركة عن الضغوط الأمريكية، ما يعكس اتساع نطاق تأثير العقوبات.
مصافٍ أخرى تقلّص… والسوق يتجزأ
لم يقتصر التراجع على «ريلاينس»، إذ تُظهر البيانات انخفاض الشحنات إلى منشآت أخرى، بينها محطة موندرا التابعة لشركة إتش بي سي إل ميتال إنرجي، إلى جانب توقف شركة مانغالور ريفايناري آند بتروكيميكال عن استلام الشحنات لأول مرة منذ أكثر من عامين حسب اطلاع بقش.
هذا الانكماش المتزامن في عدة نقاط استقبال يعكس أن التراجع ليس قرار شركة واحدة، بل نتيجة مناخ عام يتسم بالحذر، حيث باتت المصافي تفضّل تنويع الإمدادات بدلاً من الاعتماد المكثف على مصدر واحد محفوف بالمخاطر.
في المقابل، لا تزال بعض المصافي الحكومية تُبقي الباب موارباً أمام النفط الروسي، لكن بكميات أقل، وضمن شروط دفع وتسوية أكثر تعقيداً، ما يحدّ من جاذبية هذا المسار على المدى المتوسط.
النتيجة هي سوق أكثر تجزؤاً، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات، وأكثر حساسية لأي تشديد جديد في العقوبات.
رغم هذا المشهد، قد تحصل الواردات الروسية على دفعة مؤقتة عبر شركة نايارا إنرجي، المدعومة من «روسنفت»، والتي قررت تأجيل أعمال الصيانة في مصفاة فادينار.
هذا التأجيل قد يرفع حجم الشحنات مطلع العام المقبل، لكنه يبقى عاملاً ظرفياً، لا يعكس تحوّلاً هيكلياً في اتجاه السوق، خصوصاً أن الشركة نفسها مُدرجة على قوائم العقوبات الأوروبية.
بمعنى آخر، أي ارتفاع محتمل في الشحنات سيكون أقرب إلى “ارتداد تقني” منه إلى عودة مستدامة، طالما بقي الإطار العقابي قائماً.
ما تشهده شحنات النفط الروسي إلى الهند ليس انهياراً، بل إعادة ضبط قسرية فرضتها السياسة أكثر مما فرضها السوق. الخصومات وحدها لم تعد كافية، والطلب لم يعد العامل الحاسم، بل القدرة على تمرير الصفقة دون تبعات قانونية.
الهند، مثل غيرها من المستوردين الآسيويين، تكتشف أن النفط الروسي الرخيص يأتي اليوم بسعر خفي: التدقيق، والتأخير، وعدم اليقين. ومع تشديد واشنطن قبضتها على حلقات التكرير والتمويل، يبدو أن هامش المناورة سيضيق أكثر في 2026.
النتيجة المرجحة ليست قطيعة كاملة مع الخام الروسي، بل علاقة أكثر حذراً، أقل كثافة، وأكثر قابلية للتقلب، في سوق باتت السياسة فيها لاعباً لا يقل ثقلاً عن العرض والطلب.


