تقارير
أخر الأخبار

تحليل – اليمن ساحة نفوذ لا تحالف: كيف حوّلت الرياض و أبوظبي الشرعية إلى غطاء للصراع؟

تقرير خاص | بقش

لم يعد بيان مجلس الوزراء السعودي، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز، مجرد موقف سياسي عابر، بل كشف بوضوح حجم التصدعات داخل معسكر يفترض أنه يقود “تحالف دعم الشرعية”. غير أن ما يجري على الأرض اليمنية يؤكد أن هذا التحالف تحوّل عملياً إلى ساحة صراع نفوذ، لا مشروع استقرار أو دولة.

الخطاب السعودي الذي شدد على “عدم التردد في مواجهة أي تهديد للأمن الوطني” يتناقض جذرياً مع واقع التدخلات المستمرة داخل اليمن، حيث بات الأمن الوطني السعودي والإماراتي يُدار على حساب الأمن الوطني اليمني، لا بالتوازي معه ولا من خلاله.

وفي الوقت الذي تتبادل فيه الرياض وأبوظبي الاتهامات حول “التصعيد غير المبرر”، يظل اليمن هو الحلقة الأضعف، تُستنزف أرضه ومؤسساته عبر أطراف محلية جرى تصنيعها وتمكينها خارج أي إطار سيادي أو وطني جامع.

المفارقة الأعمق أن هذا الصدام لا يُقدَّم للرأي العام بوصفه أزمة تدخل خارجي وفق اطلاع بقش، بل كخلاف داخل “تحالف”، فيما الواقع يؤكد أن اليمن لم يعد شريكاً في القرار، بل موضوعاً للصراع بين حلفاء اختلفوا على تقاسم النفوذ لا على إنهاء الحرب.

تحالف بلا مشروع… وشرعية بلا سلطة

منذ سنوات، رفعت السعودية والإمارات شعار دعم “الشرعية اليمنية”، غير أن الممارسة العملية أفرغت هذا الشعار من محتواه، عبر دعم متزامن لقوى محلية متنازعة، لكلٍ منها ولاء خارجي مختلف.

هذا النهج حسب تناولات بقش لم ينتج دولة، بل أنتج تشظياً سياسياً وأمنياً، حيث بات القرار اليمني موزعاً بين عواصم إقليمية، بينما تحوّلت مؤسسات الدولة إلى هياكل اسمية عاجزة عن فرض سيادتها حتى داخل مناطق نفوذها المعلنة.

الخلاف السعودي-الإماراتي الأخير لا يُقرأ كصراع حول مصلحة اليمن، بل كصدام حول من يدير النفوذ ومن يضبط الوكلاء، وهو ما يفسر التصعيد السياسي المتبادل دون أي التزام عملي بإنهاء أسباب الانقسام.

وما يُسمى بجهود “التهدئة” لم يكن في جوهره إلا إدارة مؤقتة للأزمة، تُستخدم عند الحاجة السياسية، بينما يستمر على الأرض دعم تشكيلات مسلحة خارج الدولة، تُستدعى عند كل منعطف تفاوضي أو أمني.

النتيجة أن الشرعية التي يُفترض الدفاع عنها تحولت إلى غطاء سياسي لتدخل مزدوج، سعودي وإماراتي، أسهم في تعطيل أي مسار وطني مستقل، وأعاد إنتاج الأزمة بأدوات محلية أكثر هشاشة وارتهاناً.

الوكلاء المحليون… عبث السيادة من الداخل

أخطر ما في المشهد اليمني ليس الخلاف بين الرياض وأبوظبي بحد ذاته، بل توظيف أطراف محلية كأدوات لهذا الخلاف، بما يحوّل الصراع من سياسي إقليمي إلى تفكك داخلي طويل الأمد.

هذه الأطراف، التي جرى تسليحها وتمويلها خارج مؤسسات الدولة، لا تعبّر عن مشروع وطني، بل عن مصالح مموليها، ما جعلها مستعدة لتغيير مواقفها وتحالفاتها وفق إيقاع الصراع الخارجي.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “أمن اليمن” مجرد خطاب فارغ، لأن أي أمن يُبنى عبر كيانات موازية للدولة هو أمن مؤقت، هش، وقابل للانفجار عند أول تغير في التوازنات الإقليمية.

كما أن استمرار هذا النهج لا يهدد اليمن وحده، بل يزرع بؤر عدم استقرار دائمة تمتد آثارها إلى البحر الأحمر، والممرات التجارية، وسلاسل الإمداد والطاقة، وهو ما يجعل الأزمة ذات طابع اقتصادي-استراتيجي يتجاوز الحدود اليمنية.

وبدل أن يتحول التحالف إلى مظلة إنهاء حرب، تحوّل إلى آلية لإدارة الانقسام، حيث يُعاد تدوير الوكلاء، وتُستنزف الجغرافيا، بينما يُؤجل الحل الحقيقي إلى أجل غير مسمى.

صراع نفوذ لا مشروع سلام

ما تكشفه التطورات الأخيرة أن اليمن لم يعد أولوية بحد ذاته في حسابات الرياض وأبوظبي، بل ساحة اختبار لتوازنات القوة والنفوذ، يُدار فيها الصراع بأدوات محلية رخيصة الثمن سياسياً وإنسانياً.

وفق قراءة بقش، استمرار هذا المسار يعني أن أي حديث عن سيادة أو شرعية أو تهدئة سيبقى بلا معنى، ما دامت القرارات تُتخذ خارج اليمن، وتُنفذ عبر وكلاء لا يمثلون المجتمع ولا الدولة.

الخلاصة هي أن إنهاء الأزمة اليمنية يبدأ أولاً بوقف العبث الخارجي، سعوديّاً وإماراتيّاً، وتجريد الأطراف المحلية من دور “الأدوات”، وترك اليمنيين يقررون مستقبلهم بعيداً عن صراعات النفوذ التي لم تجلب سوى الانقسام والانهيار.

زر الذهاب إلى الأعلى