الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

السعودية تستلم أول شحنة من الرقائق الأمريكية.. بداية تنفيذ رؤية الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد العربي | بقش

لم يكن وصول الدفعة الأولى من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى شركة «هيوماين» السعودية حدثاً تقنياً عادياً، بقدر ما شكّل مؤشراً سياسياً واقتصادياً على كيفية إعادة رسم خريطة الوصول العالمي إلى البنية التحتية الحاسوبية المتقدمة. ففي عالم باتت فيه الرقائق سلعة سيادية، يخضع تدفقها لحسابات تتجاوز السوق والطلب، يصبح كل شحن تقني ترجمة مباشرة لتوازنات القوة.

الخطوة تأتي في لحظة تشهد فيها واشنطن تشديداً غير مسبوق على تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً تلك المرتبطة بالحوسبة عالية الأداء، ما يجعل أي استثناء أو موافقة تصدير بمثابة رسالة سياسية بقدر ما هي صفقة تجارية. وفي هذا السياق، فإن شحنة «إنفيديا» إلى السعودية لا يمكن فصلها عن إطار أوسع من التفاهمات الاستراتيجية بين البلدين.

بالنسبة للرياض، يمثّل الحدث اختباراً عملياً لقدرتها على الانتقال من مرحلة إعلان الطموحات في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة بناء القدرات الفعلية، وهي مرحلة مكلفة مالياً، ومعقّدة تنظيمياً، ومقيدة بسلاسل توريد تخضع لرقابة خارجية. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهو نموذج لإدارة “التصدير المشروط” دون فقدان السيطرة على التكنولوجيا.

من هنا، لا تبدو القضية متعلقة فقط بوصول رقائق، بل بسؤال أعمق: إلى أي مدى يمكن لدول غير مُصنِّعة للتقنيات الأساسية أن تبني سيادة رقمية حقيقية في ظل احتكار محدود لمفاتيح الحوسبة العالمية؟

«هيوماين»: بناء البنية قبل بناء النماذج

إعلان الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» عن استلام أول شحنة من رقائق الذكاء الاصطناعي من شركة إنفيديا يسلّط الضوء على أولوية مختلفة عمّا هو سائد في الخطاب العام حول الذكاء الاصطناعي وفق اطلاع مرصد بقش. فبدلاً من التركيز على تطوير النماذج أو التطبيقات، تضع الشركة ثقلها في مرحلة البنية التحتية، وهي المرحلة الأعلى تكلفة والأكثر حساسية سيادياً.

هذا التوجه يعكس فهماً متقدماً لطبيعة المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي، حيث لا تُقاس القوة بعدد التطبيقات، بل بامتلاك القدرة على التدريب والتشغيل على نطاق واسع. فالدول التي لا تملك مراكز بيانات متقدمة، وقدرات حوسبة كثيفة، تبقى في موقع التابع مهما امتلكت من مهندسين أو أفكار.

غير أن هذا المسار يضع «هيوماين» في مواجهة مباشرة مع معادلة صعبة: الاعتماد شبه الكامل على رقائق أمريكية الصنع، في وقت تُستخدم فيه هذه الرقائق نفسها كأداة ضبط جيوسياسي. وهو اعتماد يفتح الباب أمام تساؤلات طويلة الأجل حول الاستقلالية التقنية.

بكلمات أخرى، تبني «هيوماين» قدرات متقدمة، لكنها تفعل ذلك داخل هامش مرسوم خارجياً، حيث يظل مفتاح التوسع النهائي بيد المورّد والجهة المنظمة له.

واشنطن والرقائق: تصدير محسوب لا انفتاح مطلق

وصول الشحنة لا ينفصل عن الاتفاق السعودي-الأمريكي الأوسع الذي سمح بتصدير عشرات آلاف الرقائق المتقدمة إلى المملكة، وهو اتفاق يعكس تحوّلاً تكتيكياً في سياسة الولايات المتحدة، لا تغييراً جذرياً فيها. فواشنطن لم تفتح باب التصدير على مصراعيه، بل اختارت شركاء محددين، ضمن شروط رقابية صارمة.

هذا النموذج يهدف إلى تحقيق توازن دقيق: الحفاظ على ريادة الشركات الأمريكية، ومنع تسرب التقنيات إلى خصوم استراتيجيين، وفي الوقت نفسه عدم دفع الحلفاء للبحث عن بدائل تقنية خارج المنظومة الغربية. السعودية، في هذا الإطار، تُعامل كشريك موثوق، لكن ليس كشريك مستقل تقنياً.

اللافت أن هذه السياسة تُبقي الدول المستوردة في حالة “اعتماد طويل الأمد”، حيث لا تقتصر العلاقة على شراء العتاد، بل تمتد إلى التحديثات، والدعم الفني، وسلاسل التوريد المستقبلية. أي أن القرار التقني يتحول تدريجياً إلى قرار سياسي غير معلن.

من هنا، فإن تسليم الرقائق لا يعني نهاية القيود، بل بداية مرحلة إدارة دقيقة لها، تُحدد فيها وتيرة النمو وحدوده.

طموح سعودي واسع… وسقف تقني واضح

لا شك أن «هيوماين»، المدعومة من الصندوق السيادي السعودي ومن شركة أرامكو السعودية، تمثل إحدى أكثر المحاولات جدية في المنطقة لبناء منصة ذكاء اصطناعي متكاملة. الشراكات مع شركات مثل إيه إم دي وإكس إيه آي تعكس رغبة في تنويع الشركاء وعدم الارتهان لمزود واحد.

لكن رغم هذا الزخم، يبقى التحدي الحقيقي في القدرة على تحويل البنية التحتية إلى منظومة إنتاج معرفي ذات قيمة مضافة محلية، لا مجرد استهلاك تقني متقدم حسب قراءة بقش. فبناء مراكز بيانات وتشغيل رقائق متطورة لا يضمن تلقائياً بناء صناعة ذكاء اصطناعي سيادية.

كما أن المنافسة العالمية لا تنتظر، والدول التي تمتلك سلاسل تصنيع كاملة، من الرقاقة إلى النظام، تظل في موقع تفوق بنيوي يصعب تعويضه بالاستثمار وحده. وهو ما يجعل التجربة السعودية، رغم طموحها، تجربة محفوفة بقيود لا تظهر في البيانات الرسمية.

وصول رقائق «إنفيديا» إلى «هيوماين» خطوة مهمة، لكنها ليست اختراقاً استراتيجياً بحد ذاتها. إنها تقدّم محسوب داخل نظام عالمي يُدار بالترخيص، لا بالتحرر.

السعودية تنتقل بثبات من مرحلة الرؤية إلى مرحلة التنفيذ، لكن التنفيذ يجري ضمن إطار تكنولوجي تُمسك واشنطن بمفاصله الأساسية. وفي عالم الذكاء الاصطناعي، من يملك الرقاقة لا يملك بالضرورة القرار.

الرهان الحقيقي لن يكون على عدد الرقائق المستلمة، بل على قدرة الرياض مستقبلاً على تقليص هذه التبعية، أو على الأقل إدارتها بذكاء في نظام دولي لا يمنح التقنية مجاناً، ولا يسمح بالسيادة الكاملة بسهولة.

زر الذهاب إلى الأعلى