
أخبار الشحن | بقش
مع دخول عام 2026، تواجه الملاحة البحرية العالمية مرحلة حرجة مليئة بالتحديات المتصاعدة، إذ تلتقي عدة عوامل جيوسياسية وتقنية لتزيد من مخاطر الإبحار، خصوصاً في ثلاثة بحار رئيسية هي البحر الأحمر، البحر الأسود، وبحر البلطيق، إضافةً إلى مناطق أخرى ذات احتمالية عالية للصراع البحري مثل جنوب البحر الكاريبي وبحر الصين الجنوبي.
ووفق التحليلات التي يتتبَّعها مرصد “بقش”، ومنها تحليل نشره موقع rivieramm المتخصص في قطاع الملاحة البحرية، فإنّ خبراء الأمن والمستشارين البحريين يتوقعون مشهداً معقداً في 2026 يجمع بين الصراعات المسلحة، التدخلات السياسية، والتحديات الاقتصادية، ما يجعل العام المقبل عاماً استثنائياً في مجال المخاطر البحرية وعمليات الإنقاذ.
البحر الأحمر وخليج عدن.. قلق متجدد
ثمة توقعات تذهب إلى أن من الممكن عودة التوترات البحرية في الممر الاستراتيجي “البحر الأحمر” في حال انهيار وقف إطلاق النار في غزة.
ويشير تقرير rivieramm إلى أن الحوثيين يمتلكون التقنيات والتكتيكات اللازمة لاستهداف السفن، بما يشمل ناقلات النفط والأصول البحرية السعودية، ويستغلون هذه العمليات للضغط المالي والسياسي.
كما يمكن أن يؤدي تصاعد أعمال القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى تحويل الملاحة التجارية بعيداً عن الطرق التقليدية، مثل رأس الرجاء الصالح، ما يزيد من التعقيدات اللوجستية ويخلق فرصاً تجارية محدودة لشركات الإنقاذ والملاحة البديلة.
وفي الوقت الحالي تتناول تقارير، كالذي نشرته “مونت كارلو”، المخاوف الخليجية من “عسكرة” البحر الأحمر وباب المندب، وكيف أن اليمن والقرن الأفريقي باتا منظومة أمنية واحدة، لا ساحتين منفصلتين، وهو ما يُضفي بُعداً سياسياً وأمنياً إضافياً على الأمن في البحر الأحمر.
ويبرز دور إسرائيل غير المباشر، الآخذ في الاتساع، حيث يرتبط أمن الملاحة في البحر الأحمر بمصالحها الاقتصادية والأمنية. وفي محيط “أرض الصومال” (إقليم صوماليلاند الذي اعترفت به إسرائيل مؤخراً)، تشير تقارير إلى اهتمام استخباراتي إسرائيلي متزايد، بفضل الموقع الجغرافي قرب باب المندب والاستقرار النسبي مقارنة بمحيطها الإقليمي المضطرب، كما أن الاستثمارات الإماراتية في موانئ مثل بربرة جعلت المنطقة عقدة لوجستية وأمنية ذات أهمية متزايدة في حسابات الفاعلين الإقليميين.
ووسط هذه التطورات، تنظر السعودية بقلق إلى تراجُع نسبي لدورها في البحر الأحمر مقارنةً بالإمارات، وتسعى المملكة إلى إعادة تثبيت نفوذها عبر أدوات سياسية وأمنية مختلفة.
أما الإمارات فتواصل بدورها الاستثمار في الموانئ والشراكات الأمنية، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشعبة بعد اتفاقات التطبيع، بينما تعمل إسرائيل على توسيع هامش مراقبتها ومتابعة خصومها، من دون الانخراط المباشر في نزاعات محلية معقّدة.
البحر الأسود: صراع مباشر على النفط والتجارة
يُعتبر البحر الأسود الأكثر عرضة للخطر في عام 2026، جراء استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعُد الهجمات البحرية المتبادلة.
وقد بدأ هذا النزاع بالفعل يستهدف ناقلات النفط، حيث تسعى أوكرانيا لقطع تجارة النفط الروسي عبر استخدام هجمات على السفن السطحية بلا طاقم والألغام اللاصقة، في محاولة لخلق ضغط سياسي واقتصادي على روسيا دون التسبب بكوارث بيئية واسعة.
وتشير التقديرات التي طالعها بقش إلى أن روسيا قد ترد على هذه التحركات، مستهدفة السفن الأوكرانية ومحطات الشحن الجاف باستخدام الصواريخ، رغم أن احتمال حدوث حرائق واسعة أو غرق السفن يبقى محدوداً، نظرًا لخصائص البضائع مثل الحبوب التي تمتص الانفجارات.
كما يمكن أن تمتد الهجمات لتشمل مناطق أبعد، مثل البحر الأبيض المتوسط وقرب سواحل السنغال، في إطار ما يُعرف بالأسطول الخفي أو العمليات البحرية غير التقليدية.
بحر البلطيق: تفتيشات أوروبية وتداعيات تحت سطح البحر
في بحر البلطيق، تتفاعل التداعيات الروسية الأوكرانية مع المواقف الأوروبية الصارمة، حيث ستتولى الدول الأوروبية عمليات تفتيش مكثفة للناقلات النفطية المشتبه في كونها مرتبطة بأسطول غير رسمي، بهدف تعطيل حركة الملاحة الروسية وفرض قيود على حرية مرور السفن.
من المتوقع أيضاً استمرار الحوادث المتعلقة بالكابلات الأوروبية تحت سطح البحر، في ظل احتمالية استهداف روسيا للبنية التحتية البحرية الأوروبية. ويُعزز هذا التوتر احتمالات تعطيل المرور البريء للشحن وزيادة الطلب على عمليات الإنقاذ البحرية في المنطقة.
مناطق صراع إضافية: جنوب البحر الكاريبي وبحر الصين الجنوبي
تتجاوز المخاطر نطاق البحار التقليدية لتصل إلى جنوب البحر الكاريبي وبحر الصين الجنوبي.
في الكاريبي، قد تتعرض ناقلات النفط لمخاطر المصادرة من قبل القوات البحرية الأمريكية، خاصة تلك المرتبطة بالنفط الخام القادم من مشاريع الإنتاج في غيانا التابعة لفنزويلا.
وتُخصص حوالي 25-30% من القوات البحرية الأمريكية لحماية هذه الأصول، ما يعكس البعد السياسي والاقتصادي لهذه العمليات، إذ تهدف واشنطن للضغط على النظام الفنزويلي وفرض قيود دون الانخراط في عمليات غزو بري.
أما بحر الصين الجنوبي، فهو مسرح محتمل لتعزيز الصين لهيمنتها البحرية، حيث قد تختبر قدراتها على التحكم في طرق الملاحة وتعطيلها جزئيًا، ما يزيد من المخاطر على حركة السفن التجارية ويخلق حاجة ملحة لعمليات الإنقاذ والاستجابة الطارئة.
الإنقاذ والتجارة وسط المخاطر
رغم هذه المخاطر البحرية، تبرز فرص كبيرة لشركات الإنقاذ والتأمين البحري وفق اطلاع بقش على تحليل rivieramm، حيث يمكن أن تؤدي حوادث السفن والأعمال العدائية إلى طلب متزايد على خدمات إزالة الحطام والإنقاذ البحري، كما حدث مع سفينة النفط اليونانية “سونيون” التي استهدفتها قوات صنعاء، والتي حصل رجال الإنقاذ فيها على وسام الشجاعة لتدخلهم الحاسم في منع كارثة بيئية.
وفي الوقت نفسه، تظل حرية الملاحة مهددة، ما قد يعيد تشكيل خرائط التجارة البحرية العالمية ويؤثر على أسعار النفط والتأمين البحري.
ويبدو أن عام 2026 يمثل نقطة تحول حاسمة في المخاطر البحرية العالمية، إذ تتشابك الصراعات الإقليمية والدولية مع المصالح الاقتصادية والتقنية لتشكل بيئة بحرية معقدة.
وستظل المناطق البحرية الحساسة المذكورة آنفاً، في قلب هذه المخاطر، ومع كل هذه التحديات يُرجّح أن يشهد الطلب على عمليات الإنقاذ والتأمين البحري طفرة، في حين سيستمر تأثير النزاعات السياسية والاقتصادية على حركة التجارة البحرية العالمية، بما يجعل من فهم الديناميكيات البحرية في 2026 مسألة حيوية للحكومات والشركات والمستثمرين على حد سواء.


