إعلام أمريكي: الاقتصاد الأمريكي في قبضة ترامب بالكامل والمسؤولية الكاملة تبدأ الآن بلا أعذار

تقارير | بقش
لم يعد الاقتصاد الأمريكي ساحة رمادية يمكن للرئيس دونالد ترامب المناورة داخلها بخطاب الاتهام وتبادل المسؤوليات. فمع اقتراب إدارته من تسمية رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، يدخل الاقتصاد أكبر اقتصاد في العالم مرحلة جديدة، تتحول فيها السياسات والنتائج إلى ملكية سياسية صريحة للرئيس نفسه، بكل ما تحمله من أرباح انتخابية محتملة أو خسائر سياسية قاسية.
وخلال العام الأول من ولايته الثانية، اعتمد ترامب على خطاب دفاعي واضح، يُحمّل فيه أعباء التضخم وغلاء المعيشة لإدارة سلفه جو بايدن، ويضع السياسة النقدية في مرمى النيران عبر الهجوم المستمر على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول وفق متابعات بقش. غير أن هذا الخطاب، الذي كان فعالاً نسبياً في بداياته، بدأ يفقد زخمه مع مرور الوقت وتغيّر المزاج العام.
فالاقتصاد لا ينتظر الخطابات، والأسواق لا تتفاعل مع الشعارات. ومع تراجع قدرة البيت الأبيض على تعليق الإخفاقات على شماعات الماضي، باتت الأسئلة تُطرح بوضوح أكبر: ماذا قدّم ترامب فعلياً للاقتصاد الأمريكي؟ وهل تملك إدارته أدوات حقيقية لمعالجة الضغوط المعيشية المتراكمة؟
الأهم من ذلك أن توقيت هذا التحول بالغ الحساسية. فالولايات المتحدة تقترب من انتخابات تجديد نصفي حاسمة، وفيها لا يصوّت الأمريكيون بالشعارات، بل بمحافظهم، وبإحساسهم اليومي بالأمان الوظيفي والقدرة على دفع الإيجار وشراء الغذاء.
تآكل رواية «الذنب الموروث» من إدارة بايدن
لم يعد تحميل إدارة بايدن مسؤولية التضخم المرتفع مقنعاً كما كان. فبعد مرور عام تقريباً على مغادرة بايدن البيت الأبيض، بدأت استطلاعات الرأي تعكس تحوّلاً واضحاً في اتجاه الرأي العام، حيث لم يعد الناخب الأمريكي مستعداً لمنح ترامب هامش الأعذار ذاته.
وفق أحدث استطلاع أجرته CNN، يرى 61% من الأمريكيين أن سياسات ترامب الاقتصادية أسهمت في تدهور الأوضاع حسب قراءة بقش، وهي نسبة تفوق من لا يزالون يربطون الأزمة الاقتصادية بالإدارة السابقة. هذا التحول ليس رقمياً فحسب، بل يعكس تغيراً نفسياً في تقييم المسؤولية السياسية.
الناخب الأمريكي، تاريخياً، يمنح الرؤساء فترة سماح قصيرة، لكن مع مرور الوقت يبدأ بربط الأداء الاقتصادي مباشرة بصاحب القرار الحالي. ومع استمرار التضخم في مستويات أعلى من المستهدف، وتباطؤ نمو الأجور الحقيقية، تتآكل رواية «الإرث الثقيل» تدريجياً.
الأخطر أن هذا التآكل لا يحدث في فراغ، بل يتزامن مع إشارات تباطؤ في سوق العمل، وانخفاض وتيرة التوظيف، ما يجعل أي محاولة للتهرب من المسؤولية أقل قابلية للتصديق.
الاحتياطي الفيدرالي… بين الاستقلال المؤسسي والضغط السياسي
منذ عودته إلى البيت الأبيض، جعل ترامب من رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول هدفاً دائماً لانتقاداته، متهماً إياه بالإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة تُقيد النمو وتشل سوق الإسكان. ورغم أن باول كان خيار ترامب نفسه في عام 2017، فإن العلاقة بين الطرفين تحولت إلى صدام سياسي مفتوح.
يعترف باول، كما أقرّ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بأن الاستجابة للتضخم في 2021 و2022 جاءت متأخرة، لكن تحويل هذا الاعتراف إلى ذريعة لفرض سياسة تيسيرية سريعة يحمل مخاطر كبيرة. فالفيدرالي، وفق بنيته المؤسسية، لا يُدار بقرار فردي، ورئيسه يمتلك صوتاً واحداً فقط داخل لجنة السوق المفتوحة.
حتى مع تعيين ترامب عدداً من الأعضاء الجدد هذا العام، لا توجد ضمانة بأن تتجه السياسة النقدية نحو خفض حاد للفائدة. فاللجنة تستند إلى بيانات التضخم وسوق العمل، لا إلى أجندة البيت الأبيض، وأي انحراف سياسي فجّ قد يهز ثقة الأسواق باستقلالية المؤسسة.
الأكثر خطورة أن المبالغة في الترويج لخفض الفائدة كحل سحري ترفع سقف التوقعات الشعبية، ما يجعل أي إخفاق لاحق عبئاً سياسياً مضاعفاً على الإدارة.
خفض الفائدة… حلول جزئية ومخاطر مؤجلة
نظرياً، يؤدي خفض أسعار الفائدة إلى تقليل كلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، ما قد يدعم التوظيف ويُنشّط الاستثمار. لكن التجربة الأمريكية تُظهر أن العلاقة بين الفائدة وغلاء المعيشة ليست خطية ولا فورية.
خفض الفائدة قد يدفع الأجور إلى الارتفاع، لكنه في الوقت ذاته قد يُغذي الطلب الاستهلاكي بشكل أسرع من قدرة العرض على الاستجابة، ما يعيد إشعال التضخم بدلاً من كبحه. كما أن أثر السياسة النقدية يحتاج إلى أشهر، وربما فصول كاملة، للانتقال عبر مفاصل الاقتصاد.
سوق الإسكان تمثل مثالاً صارخاً على هذا التعقيد. فرغم ارتباط معدلات الرهن العقاري بعوائد سندات الخزانة طويلة الأجل أكثر من الفائدة الأساسية، فإن أي خفض ملموس قد يوفر مئات الدولارات شهرياً للأسر. لكن ذلك لا يعالج جذور الأزمة.
ووفق تقديرات غولدمان ساكس التي تتبَّعها بقش، تعاني الولايات المتحدة نقصاً يناهز 4 ملايين وحدة سكنية، وهو خلل هيكلي لا يمكن للفائدة وحدها إصلاحه. بل إن خفض الفائدة قد يوسع فجوة الثروة، عبر تمكين مالكي المنازل الحاليين من إعادة التمويل، دون زيادة فعلية في المعروض.
في المحصلة، لا يمتلك أي رئيس، مهما بلغت قوته السياسية، السيطرة المباشرة على اقتصاد أمريكي تتجاوز قيمته 30 تريليون دولار. إلا أن السياسات الضريبية والتجارية والتنظيمية تترك آثاراً ملموسة على معيشة الأسر، وهو ما يجعل المسؤولية السياسية أمراً لا مفر منه.
سياسات ترامب، من الرسوم الجمركية التي رفعت كلفة المعيشة، إلى التخفيضات الضريبية التي ستُفيد شريحة وتُقصي أخرى من شبكات الأمان الاجتماعي، رسمت ملامح اقتصاد يحمل بصمته بوضوح. وحسب تقديرات Tax Foundation، كلفت الرسوم الجمركية الأسرة الأمريكية المتوسطة نحو 1,100 دولار وفق اطلاع بقش، خلال عام واحد.
ومع تلاشي شماعات اللوم، يدخل ترامب مرحلة سياسية شديدة الحساسية، حيث سيتحول الاقتصاد من أداة خطابية إلى اختبار انتخابي مباشر. وفي بلد يصوّت فيه الناخب بمحفظته قبل أي شيء آخر، قد يكون هذا التحول هو التحدي الأصعب في ولاية ترامب الثانية.


