الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

الرسوم الجمركية.. خدعة ترامب للأمريكيين

الاقتصاد العالمي | بقش

رغم الضجة السياسية والإعلامية التي رافقت إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عما أسماها “تعريفات يوم التحرير”، فإن النتائج الفعلية لهذه الخطوة بدت، وفق بيانات وتحليلات حديثة اطلع عليها “بقش”، أقل بكثير من السقف المرتفع للوعود التي رُفعت في ذلك اليوم.

فبينما تم الترويج للتعريفات الجمركية باعتبارها أداة قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد الأمريكي، وإحياء التصنيع المحلي، وتقليص الدين العام، تشير الوقائع إلى فجوة واضحة بين الخطاب والنتائج.

ووفق صحيفة نيويورك تايمز، فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية على الواردات الأمريكية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو قرن، غير أن تأثير هذه الرسوم على الاقتصاد الأمريكي جاء أضعف مما توقعه عدد كبير من الاقتصاديين، وأقل بكثير مما وعد به الرئيس نفسه.

ووصفت الصحيفة هذه الخطوة بـ”يوم التحرير الترامبي”، لكنها خلصت في تقييمها إلى أن النتائج لم ترقَ إلى مستوى الطموحات المعلنة.

ويستند هذا التقييم إلى ورقة بحثية حديثة أعدها اقتصاديون من جامعتي هارفارد وشيكاغو، أظهرت أن معدل التعريفة الجمركية الفعلي الذي دفعه المستوردون الأمريكيون كان أقل بكثير من المعدلات الاسمية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية رسمياً.

الفجوة بين المعدل المعلن والمطبق

حسب الدراسة التي اطلع بقش على بياناتها، بلغ معدل التعريفة الفعلي بنهاية سبتمبر 2025 نحو 14.1% فقط، أي ما يقارب نصف المعدل الاسمي المعلن الذي وصل إلى 27.4%، وذلك بعد أن كان المعدل الاسمي قد بلغ ذروته عند 32.8% في أبريل 2025.

وتوضح غيتا غوبيناث، أستاذة الاقتصاد في جامعة هارفارد ونائبة المديرة العامة السابقة لصندوق النقد الدولي، هذه المفارقة بالقول: “التعريفات الفعلية أقل بكثير مما أُعلن عنه، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت آثارها الاقتصادية أقل مما كان يُخشى”.

ويُعزى انخفاض التعريفات في المعدل الفعلي إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الإعفاءات الواسعة، فقد شملت الإعفاءات دولاً وقطاعات بعينها، ما قلّص فعلياً حجم الرسوم المفروضة على إجمالي الواردات.

وكذلك التطبيق التدريجي للرسوم، إذ جرى تأجيل فرض الرسوم على سلع كانت بالفعل في طريقها إلى الولايات المتحدة عند الإعلان عن التعريفات، نظراً لأن الشحن البحري يستغرق أسابيع، الأمر الذي حال دون إحداث صدمة فورية للأسواق.

كما حظيت أشباه الموصلات والمنتجات التي تدخل فيها بإعفاءات مهمة، وهي خطوة أثارت انتقادات واسعة واعتُبرت نوعاً من المحاباة لشركات التكنولوجيا الكبرى. ونتيجة لذلك، لم يتجاوز معدل التعريفة الفعلي على هذه المنتجات نحو 9% فقط، وهو مستوى أدنى بكثير من الرسوم المفروضة على سلع أخرى.

وكنتيجة مباشرة، واجهت دول مثل تايوان، أحد أكبر منتجي الرقائق في العالم، رسوماً فعلية أقل بكثير من المعدلات الرسمية المعلنة.

كما استفادت كندا والمكسيك من إعفاءات كبيرة بفضل اتفاقية الولايات المتحدة/المكسيك/كندا (USMCA)، حيث أصبحت نحو 90% من الواردات منهما متوافقة مع الاتفاقية في عام 2025، مقارنة بأقل من 50% في العام السابق.

إضافةً إلى ذلك تم التحايل على الرسوم، إذ أسهمت بعض ممارسات التحايل، مثل التلاعب ببيانات المنشأ أو القيمة في نماذج الجمارك، في خفض المعدل الفعلي للتعريفات، رغم أن كثيراً من هذه الممارسات يُعد غير قانوني.

من دفع الثمن الحقيقي؟

على خلاف ما روّجت له الإدارة الأمريكية، لم تتحمل الشركات الأجنبية العبء الأكبر للرسوم الجمركية. بل تشير التقديرات التي راجعها بقش إلى أن 94% من تكلفة الرسوم في عام 2025 انتقلت مباشرة إلى الشركات والمستهلكين الأمريكيين، مقارنة بنحو 80% خلال جولة الرسوم المفروضة على الصين في عامي 2018–2019.

وتؤكد نيويورك تايمز أن التعريفات، رغم أنها أعادت تشكيل خريطة التجارة العالمية وأدت إلى تراجع حصة الصين من الواردات الأمريكية إلى 8% فقط، فإن كلفتها الأساسية لم يتحملها الموردون الأجانب، بل الاقتصاد الأمريكي نفسه، ممثلاً في الشركات والمستهلكين.

في 02 أبريل 2025، أعلن ترامب “تعريفات يوم التحرير” وقدمها بوصفها نقطة تحول تاريخية في مسار الاقتصاد الأمريكي، مطلقاً سلسلة من الوعود الكبرى، من بينها “عودة وظائف التصنيع”، إذ أكد ترامب أن المصانع والوظائف “ستعود بقوة” إلى الولايات المتحدة، لكن بيانات سوق العمل أظهرت صورة مغايرة.

فقد شهد قطاع التصنيع تباطؤاً خلال عام 2025، مع انخفاض عدد العاملين بنحو 67 ألف وظيفة بين أبريل ونوفمبر، إضافة إلى تراجع الإنفاق على بناء المصانع.

ويرى اقتصاديون أن الرسوم الجمركية نفسها زادت الضغوط على القطاع الصناعي بدلاً من إنعاشه.

وتعهّد ترامب بسداد جزء كبير من الدين الوطني عبر عائدات الرسوم الجمركية، غير أن أرقام وزارة الخزانة الأمريكية تكشف العكس تماماً.

فقد ارتفع الدين الأمريكي من نحو 36.1 تريليون دولار في أبريل 2025 إلى أكثر من 38.2 تريليون دولار بنهاية العام، أي بزيادة تجاوزت تريليوني دولار، بدلاً من الانخفاض الموعود.

ووعد ترامب بنمو اقتصادي “لم تشهده البلاد من قبل”، ورغم أن الاقتصاد الأمريكي سجل نمواً بلغ 4.3% في الربع الثالث من عام 2025، إلا أن هذا الأداء لا يُعد استثنائياً مقارنة بسنوات سابقة، كما أنه اعتمد أساساً على قوة الإنفاق الاستهلاكي، لا على تأثير مباشر للتعريفات الجمركية.

وتكشف تجربة “تعريفات يوم التحرير” أن الفجوة بين الخطاب السياسي والنتائج الاقتصادية كانت واسعة، فبينما أُعلنت تعريفات قياسية ورافقتها وعود كبرى بإعادة إحياء الاقتصاد الأمريكي، أظهرت البيانات أن التطبيق الفعلي كان أقل حدة، وأن العبء الحقيقي وقع على الداخل الأمريكي، لا الخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى