تقارير
أخر الأخبار

اقتصاد ألمانيا يهتز.. 2025 عام الإفلاسات والمعاناة المصرفية

تقارير | بقش

دخلت ألمانيا عام 2026 على وقع أزمة مالية واقتصادية متداخلة، بعد أن سجل عام 2025 أحد أسوأ الأعوام في تاريخها الاقتصادي الحديث، حيث شهدت البلاد ارتفاعاً غير مسبوق في حالات إفلاس الشركات، وتزايد الضغوط على البنوك المحلية، خاصة صناديق الادخار والبنوك التعاونية، التي تشكل العمود الفقري لتمويل القطاع الصناعي والاقتصاد الحقيقي.

ووفق اطلاع “بقش” على بيانات من مؤسسة كريديتريفورم الألمانية والمكتب الاتحادي للإحصاء، فإن نحو 24 ألف شركة أعلنت إفلاسها خلال 2025، وهو رقم قياسي يكشف هشاشة كبيرة في بنية الاقتصاد الألماني.

في الوقت نفسه، أظهرت تقارير الهيئة الاتحادية للرقابة المالية (بافين) تصاعداً ملحوظاً في حجم القروض المتعثرة داخل البنوك المحلية، مما يعكس توتراً متزايداً في القطاع المصرفي.

وما يميز هذه الأزمة هو أنها لا تقتصر على دورة ركود عابرة، بل تكشف عن تصدعات عميقة في النموذج الإنتاجي الألماني القائم على الصناعة والتصدير.

فالاقتصاد الألماني، حسب قراءة بقش، يواجه اليوم سلسلة من التحديات المتراكمة، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة أزمة الطاقة العالمية وسياسات التحول المناخي السريعة، التي لم تواكبها بدائل صناعية واقعية، وتراجع القدرة التنافسية للمنتجات الألمانية في الأسواق الدولية، مع بطء الطلب الداخلي والخارجي.

وهناك ضغط متزايد على الشركات المتوسطة، المعروفة باسم “القطاع المتوسط”، التي تمثل قلب الصناعة الألمانية ومحرك التوظيف الرئيسي.

وقد انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة حوالي 20% خلال 2025، ما تسبب في تأثيرات متسلسلة طالت الموردين والمقاولين والخدمات المرتبطة بالصناعة، ودفع العديد من الشركات إلى حافة الإفلاس.

بنوك محلية تحت الضغط

انعكست الأزمة مباشرة على القطاع المصرفي المحلي، إذ بلغت قيمة القروض المتعثرة في عام واحد نحو 57 مليار يورو، وهو عبء ثقيل تحمله البنوك المحلية التي تمول شركات القطاع المتوسط بشكل رئيسي، حيث تعتمد هذه الشركات على صناديق الادخار لنحو 40% من احتياجاتها التمويلية، وعلى البنوك التعاونية لنحو 25%.

وفي حين تُظهر البنوك الكبرى بعض المرونة وتحقق أرباحاً إيجابية، إلا أن البنوك التعاونية والبنوك المحلية الأصغر تواجه ضغوطاً حادة، حيث تراجعت أرباحها بنحو 25% خلال 2025، وسط توقعات بأن يكون هذا العام أسوأ.

ويعاني النموذج المصرفي الألماني القائم على ثلاثة أركان –بنوك خاصة، مؤسسات عامة، وبنوك تعاونية– من إجهاد مزدوج يتمثل في سنوات من أسعار الفائدة المنخفضة التي ضغطت على الهوامش، تلتها زيادات سريعة في الفائدة، ما زاد من أعباء التمويل في ظل ركود اقتصادي.

وفي محاولة لتعويض تراجع العوائد التقليدية، انخرطت بعض البنوك في استثمارات عالية المخاطر، أبرزها في قطاع الطاقة المتجددة والعقارات.

وقد سجلت بعض هذه الاستثمارات خسائر بمئات الملايين من اليوروهات، ما اضطر صناديق حماية مصرفية للتدخل لإنقاذ المؤسسات الأكثر تضرراً.

وتشير بيانات الرقابة المالية التي طالعها بقش إلى ارتفاع الديون المتعثرة بنسبة 25% خلال عام واحد لتصل إلى نحو 36.5 مليار يورو، ما يزيد من هشاشة البنوك المحلية ويحد من قدرتها على الإقراض.

تداعيات على المجتمعات المحلية وإمكانات التعافي

لمواجهة هذه الضغوط، لجأت البنوك إلى إغلاق أكثر من 1000 فرع سنوياً، ما يقلل من وجود المؤسسات المصرفية في المدن والقرى الصغيرة ويصعب وصول الشركات الصغيرة والحرفيين إلى التمويل، ويعزز هذا التوجه المخاوف من تقييد ائتماني واسع النطاق، قد يفاقم الركود ويعيق التعافي الاقتصادي.

ويجد صانعو السياسات أنفسهم أمام مفارقة كبيرة، فحتى إذا قرر البنك المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة، قد لا يترجم ذلك إلى زيادة الإقراض طالما بقيت البنوك مثقلة بالديون المعدومة والمخصصات، واستمرت المخاوف بشأن الملاءة المالية للشركات والأسر.

وبينما يتفاقم فيه الوضع الاقتصادي، أقرت ألمانيا ميزانية 2026، التي تتضمن توسعات في الإنفاق العسكري والبنية التحتية. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الدولة على دعم الاقتصاد المحلي في ظل ضغوط القطاع المصرفي وحالة الإفلاس القياسية للشركات.

كما انعكست الأزمة الاقتصادية على سوق العمل، حيث يعمل نحو 6.3 ملايين شخص في ألمانيا بأجور منخفضة، ما يضاعف الضغوط الاجتماعية ويحد من القدرة الاستهلاكية للمواطنين، ويزيد من هشاشة الاقتصاد الداخلي أمام تراجع الطلب.

باختصار، شهد 2025 صدمة اقتصادية غير مسبوقة لألمانيا، مع إفلاسات قياسية للشركات، وتدهور القطاع المصرفي المحلي، وارتفاع القروض المتعثرة، وضغوط متراكمة على القطاع الصناعي والقطاع المتوسط.

وفي 2026، تواجه البلاد تحديات مزدوجة، تتمثل في إدارة هشاشة البنوك المحلية ودعم الاقتصاد الصناعي، مع ضرورة ضمان استقرار اجتماعي وسط تزايد أعداد العمال ذوي الأجور المنخفضة، كما ستكون السياسات المالية والمصرفية حاسمة في قدرة ألمانيا على تجاوز هذا الركود العميق وإعادة توازن اقتصادها القائم على الصناعة والتصدير.

زر الذهاب إلى الأعلى