
الاقتصاد اليمني | بقش
تتسارع وتيرة التغيرات في مناطق سلطة المجلس الرئاسي، التي سيطرت عليها السعودية بالكامل عقب ما وُصف إعلامياً بـ”طرد الإمارات” في 30 ديسمبر 2025. وطرحت هذه التغيرات علامات استفهام كبيرة حول ما سيؤول إليه المشهد الاقتصادي بالمرافقة مع التطورات السياسية.
فبعد سبعة أشهر من توليه المنصب، استقال رئيس وزراء حكومة عدن، سالم بن بريك، وحكومته، في وقت متأخر من الخميس، وقال المجلس الرئاسي إنه قبِل الاستقالة وأعلن تعيين وزير الخارجية شائع محسن الزنداني بديلاً له مع تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، في خطوة وُصفت بأنها تأتي لتهيئة المرحلة المقبلة ومواكبة التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
وكان بن بريك قد تولى رئاسة الحكومة منذ مايو 2025 خلفًا لأحمد عوض بن مبارك، إلى جانب احتفاظه بمنصب وزير المالية منذ سبتمبر 2019 حسب متابعات بقش، مستنداً إلى عمله المالي والجمركي خلال مناصب سابقة، أبرزها رئاسة مصلحة الجمارك بين عامي 2014 و2018.
وجرى تعيين بن بريك مستشاراً لرشاد العليمي للشؤون المالية والاقتصادية. وعلّق ناشطون على منصة “إكس” بأنه كان بإمكان المجلس الرئاسي تغيير الحكومة مع الإبقاء على رئيسها، وذلك لإدارة الملفات المالية والاقتصادية، فيما عبّر آخرون عن أن تشكيل الحكومة يجب أن يكون مستنداً على الكفاءات بعيداً عن المحاصصة السياسية.
هذا التغيير الحكومي جاء بعد ساعات من إعلان رشاد العليمي تعيين عضوين جديدين في المجلس، هما محمود الصبيحي، وسالم الخنبشي الذي احتفظ أيضاً بمنصب كمحافظ لحضرموت، وذلك لسد الشواغر التي نتجت عن إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي وفرج البحسني (الذي احتجَّ بشدة على إقصائه في بيان اطلع عليه بقش)، كما سبق للعليمي أن أعلن توجهاً لإعادة الحكومة ومؤسسات الدولة إلى العمل من الداخل، في محاولة لتعزيز حضور السلطة وإعادة ترتيب المشهد السياسي والإداري.
دعم مالي سعودي وشروط اقتصادية
بالتوازي مع هذه التحولات، أعلنت السعودية عن إطلاق حزمة مشاريع تنموية في الجنوب بقيمة تقارب 500 مليون دولار تشمل 10 محافظات، وتتوزع بين إنشاء مستشفيات ومدارس، وشق طرق، ودعم قطاع الكهرباء عبر تبرعات بالوقود، إضافة إلى بناء مسجد في جزيرة سقطرى يحمل اسم “خادم الحرمين الشريفين” وفق ما هو معلن.
وقبل إعلان استقالته بوقت قصير، كان سالم بن بريك أعلن عن تقديم السعودية دعماً مالياً جديداً وعاجلاً بتعزيز بنك عند المركزي بمبلغ 90 مليون دولار، مخصص لصرف مرتبات موظفي الدولة في القطاعين المدني والعسكري للشهرين الماضيين.
وقال إن الحكومة، وبالتنسيق الكامل مع بنك عدن المركزي، ستباشر فوراً باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سرعة صرف المرتبات لمستحقيها من موظفي الدولة المدنيين والعسكريين، وفق آليات شفافة ومسؤولة، وبما يعزز الثقة بالمؤسسات المالية والنقدية حسب اطلاع بقش على ما نُشر.
من جهته قال السفير السعودي لدى اليمن والمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، محمد آل جابر، إن السعودية تواصل تمكين حكومة عدن، وأشار إلى أن الظروف الاقتصادية فى اليمن شديدة الصعوبة، بسبب تعذر تصدير النفط وتراجع إيرادات الدولة بأكثر من 60% وأدى ذلك إلى عجز الحكومة عن دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية.
كما أفاد بأن بنك عدن المركزي يعاني من نقص الودائع المالية، مما استدعى وضع استراتيجية سعودية شاملة لدعم الاقتصاد اليمني.
اقتصاديًا، يمكن لهذه المتغيرات أن تترك آثاراً متعددة الاتجاهات. فعلى المدى القريب، قد يسهم تغيير الحكومة وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي في خلق حالة من الترقب لدى الأسواق والقطاع الخاص، خاصة في ظل حساسية الوضع الاقتصادي اليمني واعتماده الكبير على الدعم الخارجي.
ويشير اقتصاديون إلى أن المجلس الرئاسي أراد من خلال تعيين رئيس وزراء جديد قادم من الخارجية، بالتزامن مع دعم سعودي معلن، أن يعزز الثقة النسبية لدى المانحين والمؤسسات الدولية، ويفتح الباب أمام تدفقات مالية أكبر، بصورة مشروطة بإصلاحات إدارية ومالية.
ومن شأن الدعم الخارجي الذي تعتمد عليه حكومة عدن تحريك عجلة الاقتصاد المحلي في المحافظات المستفيدة، لكن يبقى الأثر الإيجابي مرهوناً بمدى قدرة الحكومة الجديدة على إدارة هذه المشاريع بشفافية وكفاءة، وتوحيد المؤسسات المالية، وضبط الموارد، إذ إن أي تعثر سياسي أو صراع داخلي قد يحدّ من الجدوى الاقتصادية لهذه التحولات ويعيد حالة عدم اليقين إلى الواجهة.
مظاهرات حاشدة للانتقالي في عدن
بالتوازي مع الإعلان عن تكليف الزنداني بتشكيل حكومة جديدة، خرجت مظاهرات حاشدة في مدينة عدن، أمس الجمعة، مؤيدة للمجلس الانتقالي، الذي أُعلن عن حلّه من مدينة الرياض.
ونشرت وسائل إعلام محلية وإماراتية، أن الحشود ضمّت الآلاف من المحافظات الجنوبية الذين توجهوا من الضالع ولحج وأبين باتجاه مدينة عدن للمشاركة في فعالية دعم المجلس الانتقالي الجنوبي التي دعا إليها عيدروس الزبيدي. وجاء توافد الحشود إلى ساحة العروض بخورمكسر، للتعبير عما وُصف بـ”دعم الإعلان الدستوري” الذي أعلن عنه الزبدي في 02 يناير الجاري.
بعد هذا الخروج، خرج الزبيدي لأول مرة منذ ما وُصف بـ”تهريبه إلى الإمارات عبر الصومال”، وكتب منشوراً تابعه بقش على “إكس”، قال فيه: “يا جماهير شعب الجنوب الأبي، لقد أثبتم اليوم للعالم أنكم أصحاب الحق الشرعي، وأن إرادتكم الحرة هي مصدر الشرعية الحقيقية، وأن صوت الشعب الجنوبي لا يمكن تجاهله أو القفز عليه بعد اليوم. خرجتم بملايينكم لتقولوا كلمتكم بوضوح ودون مواربة”.
وأضاف الزبيدي: “هذه المليونية تمثل رسالة سياسية حاسمة، تؤكد تمسك شعب الجنوب بالبيان السياسي والإعلان الدستوري كمسار وطني جامع، يعبر عن تطلعاتكم المشروعة في استعادة دولتكم وبناء مستقبل يليق بتضحياتكم الجسيمة”، مشيراً إلى أن “الجنوب دخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها الثبات ووحدة الصف، وفرض الإرادة الشعبية على طاولة الإقليم والعالم، ولن نقبل بعد الآن بأي حلول تنتقص من حقنا أو تفرض علينا واقعاً مرفوضاً”.
وكان الانتقالي أعلن -عبر قنواته الرسمية التي يتتبَّعها بقش- أنه لا يزال قائماً ولم يتم حله، وذلك عقب تصريحات لوزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان عن حل المجلس خلال اجتماع أعضاء بارزين من المجلس الانتقالي في الرياض.
هذا ويُنظر إلى تصاعد التوترات بين مختلف الأطراف بأن لها انعكاسات على الوضع الاقتصادي العام في عدن وجنوب اليمن، حيث تستمر حالة عدم الاستقرار الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي المنعكس على الحالة المعيشية للمواطنين الذي ما زالوا يطالبون بصرف رواتبهم كاملة ودون تأخير وعلى نحو منتظم.
كما أن التقلبات السياسية تبقي السوق المالية متقلبة، ومعها استمرار التضخم وارتفاع تكلفة الاستيراد، لا سيما للوقود والسلع الأساسية، وتُنذر بتعطلات في الخدمات الحيوية إن لم يتم وضع الخطط الطارئة. كما أن هناك مزيداً من الضغط على المستثمرين المحليين خلال الأوضاع غير المستقرة.


